جماعة الإخوان.. مسيرة الصعود هبوطاً الحلقة الثالثة


.. وسقط القناع

وفى السياسة أنت تتفق وتختلف ثم قد تعود لتتفق، ولكن الجماعة قد أعدت ومنذ البداية معيارا واحدا، أما أن تخضع تماما وتقبل كل شىء وأى شىء، وتبايع على السمع والطاعة، أو عليك أن تستعد لاستقبال التهمة الأفدح، وهى التكفير وبين هذا وذاك تظل المراوغة الإخوانية هى التكتيك المتبع، لكن المراوغة قد تحقق كسبا مرة أو مرتين أو ثلاثا، ثم تكون النهاية القاصمة عندما يكتشف الناس الحقيقة، وكان هذا الأمر فى الماضى،

picture_4

رفعت السعيد

وهكذا كان الأمر يوم 30 يونيو حيث سقط القناع الإخوانى، وخرج الشعب هاتفا يسقط حكم المرشد.

وعندما يأتى التأسلم إلى ساحة السياسة سافراً يقدم «البنا» برنامجاً للمؤتمر الثالث يقول عنه «هذا المنهج كله من الإسلام، وكل نقص منه نقص من الإسلام ذاته» فصادر بهذا القول الإسلام لصالحه، ووضع كل من ينتقد البرنامج أو يطالب بإضافة إليه خارجاً على ملة الإسلام، ومن ثم يكون العنف. فعندما يتصور الإخوانى أنه يتحدث باسم السماء.. فمن يقول له «لا» ولو بنقد بسيط يكون كافراً. فيكون العنف واجبا وفريضة، ولم يكن العنف عند الأستاذ البنا هواية ولا أمراً عشوائيا، بل جرى التخطيط له بعناية وحرص، ومن ثم كان هناك الجهاز الإرهابى السرى، الذى سمى الجهاز الخاص، ولأن حبراً كثيراً قد أريق على صفحات كتب ودراسات حول هذا الموضوع، ولأن البنا قد أنكر أحياناً وجوده، وقال معه بعض أتباعه إنه أنشئ لمواجهة الاحتلال والصهيونية.

ولأن كثيراً من الأقوال والأقوال المضادة جرى تقاذفها، فإننا سنكتفى بأن نستدعى القارئ لمطالعة كتابات للقادة الإخوانيين، التى تحدثوا فيها بفخر ومباهاة عن الجهاز السرى، وعما قام به من أعمال إرهابية، متخذين من ذلك دليلاً لا يدحض على وجود الجهاز، ودليلاً لا يدحض أيضاً على ما قام به من أعمال نسميها نحن إرهابية، وهم يتباهون بها باعتبارها جهاداً.

فقط نترك لقادة الإخوان المجال كى يتكلموا. فقد اعترفوا صراحة بما فعلوا، وهم:

■ صلاح شادى – حصاد العمر.. وكان مسؤولا عن جهاز «الوحدات» وهو تنظيم إخوانى سرى لضباط الجيش والبوليس.

■ صلاح شادى – الشهيدان حسن البنا وسيد قطب.

■ أحمد عادل كمال – النقط فوق الحروف «كان الرجل الثانى فى الجهاز».

■ محمود عبدالحليم – الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ رؤية من الداخل – ثلاثة أجزاء «تعتبر التاريخ الرسمى للجماعة».

■ محمود الصباغ – حقيقة النظام الخاص ودوره فى دعوة الإخوان المسلمين – جدير بالذكر أن الأستاذ مصطفى مشهور كتب مقدمته عندما كان مرشداً عاماً للجماعة.

هؤلاء جميعاً أكدوا بوضوح تام وجود الجهاز السرى، وأوردوا تفاصيل ما قام به من أعمال إرهابية، لكننا سنتوقف فقط عند واقعتين لنعرف مدى صدق الأستاذ البنا فى حديثه عن هذا الجهاز الإرهابى، ونبدأ باغتيال الخازندار، وكان قتل المستشار احتجاجاً على حكم قضائى أصدره ضد أعضاء من الإخوان مثار سخط الرأى العام، الأمر الذى أدى بحسن البنا إلى إنكار أى علاقة له أو لجماعته بهذه العملية، بينما أثبت التحقيق أن أحد القاتلين كان سكرتيره الخاص.. ونلجأ إلى أحد قادة الجهاز السرى، الذى أورد وبتفصيل مثير للدهشة قصة محاكمة «عبدالرحمن السندى»، مسؤول الجهاز الإرهابى، أمام محكمة إخوانية ليس لأنه أمر بارتكاب الجريمة، وإنما لأنه فعلها دون إذن من فضيلة المرشد، والمحكمة الإخوانية كانت تضم عشرة من قادة الجماعة، ويرأسهم حسن البنا.

ونطالع ما قاله المؤرخ الإخوانى نصاً «قال السندى إنه تصور أن عملية القتل سوف ترضى فضيلة المرشد، ولأن المرشد يعلم عن السندى الصدق فقد أجهش بالبكاء»، وبعد قليل من البكاء المتبادل صدر حكم المحكمة الإخوانية، وينص «تحقق الإخوان من أن الأخ عبدالرحمن السندى قد وقع فى فهم خاطئ، وفى ممارسة غير مسبوقة من أعمال الإخوان، ورأوا أن يعتبر الحادث قتل خطأ، حيث لم يقصد عبدالرحمن، ولا أحد من إخوانه سفك نفس بغير نفس، وإنما قصدوا قتل روح التبلد الوطنى فى بعض أفراد الطبقة المثقفة من شعب من أمثال الخازندار، ولما كان هؤلاء الإخوان قد ارتكبوا هذا الخطأ فى ظل انتمائهم إلى الإخوان المسلمين وبسببه.. فقد حق على الجماعة دفع الدية، التى شرعها الإسلام كعقوبة على القتل الخطأ من ناحية، وأن تعمل الجماعة على إنقاذ المتهمين البريئين من حبل المشنقة بكل ما أوتيت من قوة، فدماء الإخوان ليست هدراً»، ثم «ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين جزءاً من الشعب، وكانت الحكومة قد دفعت بالفعل ما يعادل الدية لأسرة الخازندار، حيث دفعت لهم من مال الشعب عشرة آلاف جنيه، فإنه من الحق أن نقرر أن الدية قد دفعتها الدولة عن الجماعة، وبقى على الإخوان إنقاذ حياة الضحيتين البريئتين محمود زينهم وحسن عبدالحافظ (قاتلى الخازندار)» فقط أرجو من القارئ أن يعيد قراءة هذا الحكم، وأن يتذكر نفى البنا أى علاقة له ولجماعته بالجريمة فور وقوعها، بل نفاها البنا نفياً قاطعاً فى كتابه الأخير، الذى خطه قبيل وفاته وعنوانه «قول فصل». أما الواقعة الثانية فهى أن المرشد حسن الهضيبى قد أصغى إلى نصيحة من الإخوان تقول إنه ليس من الملائم أن يظل قادة الجهاز السرى القدامى الذين عرف الأمن أسماءهم وأدوارهم فى قيادة جهاز سرى، ثم وكما يقول صلاح شادى وبالنص «واقتنع فضيلة المرشد بهذا الرأى، وبدأ يحكم خطوة الإعلان عن عدم وجود هذا النظام داخل الجماعة، وفى الوقت نفسه أبقى عليه وعين الأخ يوسف طلعت مسؤولاً عن الجهاز».

ونكتفى بهاتين الواقعتين رغم أن هناك عديداً من الوقائع المماثلة، التى أوردها أيضاً قادة إخوانيون.

ونعود إلى أحداث 1948 فمع تفجر الخلافات بين البنا والحكومة تتوالى تفجيرات مرعبة هزت القاهرة، ويكتشف الأمن أن الجهاز السرى أخطر مما كان متصوراً، وفى 15 نوفمبر ضبطت سيارة الجيب الشهيرة.

وتقول مصادر البوليس إن ضبط السيارة تم مصادفة، ولو أن الكثيرين يستبعدون ذلك، وعلى أى حال فإن واقعة سيارة الجيب قد وضعت يد البوليس فى ضربة من ضربات الحظ على اثنين وثلاثين من أهم كوادر الجهاز السرى وعلى وثائق وأرشيفات الجهاز بأكمله بما فيها خططه وتشكيلاته وأسماء الكثيرين من قادته وأعضائه.

كان البنا قد أمضى معظم شهر أكتوبر وبضعة أيام من نوفمبر زاعماً أنه كان طوال هذه الفترة مؤدياً فريضة الحج، فما إن عاد حتى تعرض للقبض عليه بمقولة وجود دليل فى سيارة الجيب المضبوطة ضده، وبمقولة مسؤوليته المباشرة عن حادث نسف شركة الإعلانات، ثم أفرج عنه.

وخرج البنا من السجن ليبذل جهداً لإيقاف عجلة الأحداث محاولاً إنقاذ الجماعة من الوقوع فريسة لنظام أصبح غير راض عنها، وراغب فى الخلاص منها.

لكن سرعة الأحداث كانت تفوق قدرة الشيخ على الحركة.

والشيخ الذى اعتاد على المناورة بالسياسة والسياسيين وجد نفسه محاصراً وعاجزاً عن التلاعب بمن أصبحوا هم الذين يتلاعبون به، ثم صدر قرار من الحاكم العسكرى، (كانت الأحكام العرفية معلنة بسبب حرب فلسطين) بإيقاف صحيفة الجماعة، حاول البنا يائساً إنقاذ الجماعة، اتصل بكل أصدقائه وحتى بخصومه، ولعب بكل أوراقه، حاول الاتصال بالملك، وبإبراهيم عبدالهادى، رئيس الديوان الملكى، وبعبدالرحمن عمار (صديقه الشخصى وصديق الجماعة)، وكان وكيلاً لوزارة الداخلية.

ولأن الشيخ فقد أسباب قوته بدأوا جميعاً يتلاعبون به، ففى الساعة العاشرة من مساء يوم 8 ديسمبر اتصل به عبدالرحمن عمار، وأكد له أن شيئاً ما سيحدث لتحسين الموقف، وإنقاذ الجماعة، واطمأن الشيخ، وقبع هو ومجموعة من أخلص أنصاره فى المركز العام ينتظرون «الإنقاذ» فإذا بالراديو وفى العاشرة تماماً يذيع عليهم قرار مجلس الوزراء حل الجماعة بناء على مذكرة أعدها عبدالرحمن عمار نفسه.

وإذ حاول الأعضاء الخروج من مقر المركز العام وجدوه محاصراً، واقتحم البوليس المقر ليلقى القبض على كل من فيه باستثناء البنا، الذى ترك طليقاً بحجة أنه لم يصدر أمر باعتقاله، وكانت حريته هذه هى عذابه ونهايته.

واشتملت مذكرة عبدالرحمن عمار، المرفوعة إلى مجلس الوزراء بشأن حل جماعة الإخوان المسلمين، على قرار اتهام طويل يعيد إلى الأذهان كل أعمال العنف، التى ارتكبتها الجماعة، حتى تلك التى ارتكبتها بإيعاز من السلطات ولخدمة مصالحها.

وبناء على هذه المذكرة أصدر الحاكم العسكرى العام «محمود فهمى النقراشى باشا» قراراً عسكرياً من تسع مواد تنص مادته الأولى: «تحل فوراً الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها أينما وجدت، وتغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها، وتضبط جميع الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال، وعلى العموم كل الأشياء المملوكة للجمعية، ويحظر على أعضاء مجلس إدارة الجمعية المذكورة وُشعبها ومديريها وأعضائها والمنتمين إليها بأى صفة كانت مواصلة نشاط الجمعية، وبوجه خاص عقد اجتماعات لها أو لإحدى شعبها، أو تنظيم مثل هذه الاجتماعات، أو الدعوة إليها أو جمع الإعانات أو الاشتراكات أو الشروع فى شىء من ذلك، ويعد من الاجتماعات المحظورة فى تطبيق هذا الحكم اجتماع خمسة فأكثر من الأشخاص، الذين كانوا أعضاء بالجمعية المذكورة، كما يحظر على كل شخص طبيعى أو معنوى السماح باستعمال أى مكان تابع له لعقد مثل هذه الاجتماعات، أو تقديم أى مساعدة أدبية أو مادية».

وحاول البنا جهد طاقته أن يوقف طوفان المحنة، لكنه كان عاجزاً بالفعل.

فالحكومة التى هادنها وهادنته كانت تضرب بعنف وقوة مصممة على تصفية الإخوان، وكم تكررت عمليات كهذه فيما بعد 1954 و1956 والآن، ورفض النقراشى كل محاولات البنا الالتقاء به، والجماعة التى بناها الشيخ بعرقه وجهده، وشيدها بيده لبنة لبنة عبر عشرين عاماً تنهار أمام عينيه وجهازه السرى تتقطع خطوط اتصاله فقد كانت ضربة سيارة الجيب قاصمة بالنسبة لقيادة الجهاز السرى وشبكات اتصالها.

وفى 28 ديسمبر وقعت الواقعة، وصعدت المأساة إلى أعلى قممها إذ قام طالب فى الثالثة والعشرين من عمره (عبدالمجيد أحمد حسن) بإطلاق رصاصتين محكمتى التصويب على رئيس الوزراء «محمود فهمى النقراشى باشا»، وأين؟ داخل مبنى وزارة الداخلية، واتضح أنه عضو بالجهاز السرى، وشيع أنصار الحكومة جثمان رئيس وزرائهم هاتفين فى صراحة «الموت لحسن البنا».

وأتى إبراهيم عبدالهادى ليدير ماكينة العنف الرسمى إلى أقصى مداها.

وكان أكثر ما يؤلم المقبوض عليهم من الإخوان قيام أجهزة الأمن بتعليق الآية الكريمة «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم».

ولعل شكوكاً كثيرة قد ساورت هؤلاء الشبان من أعضاء الجهاز السرى، وهم يعانون من التعذيب الوحشى فى جدوى عملية الإرهاب ضد خصومهم السياسيين، وفى مدى انطباق «فكرة الجهاد» على ما ارتكبوه من أعمال، ولعل فتاوى مفتى الديار المصرية وبيانات شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء التى تدين أعمالهم قد أثرت فيهم قليلاً أو حتى كثيراً، لكنهم كانوا قد تلقنوا أن دار الإفتاء ومشيخة الأزهر قد تلبسها الشيطان، وأن شيوخها عملاء للطاغوت.

لكن الطامة الكبرى جاءت عندما استنكر الشيخ البنا نفسه هذه الأعمال، واتهم القائمين بها بتهم غليظة، وتبرأ منهم ومن جرائمهم، هنا انهار المتهمون جميعاً فقد كان صمودهم واحتمالهم للتعذيب يستمد كل صلابته من «البيعة»، التى أقسموا بها بين يدى الشيخ فى حجرة مظلمة، فإذ يتخلى الشيخ عنهم، وعن فكرة الجهاد كما لقنها هو لهم، فماذا يبقى؟ ماذا يبقى وقد استسلم الإمام الروحانى والربانى والقائد المقدام لإرادة الطاغوت؟ هنا تسقط البيعة، ويصبح الإنسان فى حل من الارتباط بالجماعة أو الالتزام بها وبتعاليمها.

ولقد صمد «عبدالمجيد حسن» ثلاثة أسابيع كاملة فى مواجهة تعذيب وحشى ضده وضد أسرته، لكنه ما لبث أن انهار تماماً عندما قرأ بيان الشيخ البنا، الذى نشرته الصحف، وبدأت موجات من الاعترافات الإخوانية المذهلة.

لقد وقع البنا وهو فى قمة ضعفه فى مصيدة الوسطاء، وكان الوسيط الأساسى هو مصطفى بك مرعى، الذى كان يغريه بإصدار بيانات تدين أفعال الجماعة، مؤكداً له أنه بهذا سينقذ ما تبقى من الجماعة.

وهكذا فعندما يتردى السياسى فى هاوية التنازلات، فلا عاصم، ويوقع البنا بياناً بعنوان «بيان للناس» استنكر فيه الشيخ أعمال رجاله ورفاق طريقه ودمغها بالإرهاب، والخروج على تعاليم الإسلام.

كان البنا فى مفاوضاته مع مصطفى مرعى يلح على ضرورة الإفراج عن بعض رجاله، معلناً أنه «لا يستطيع أن ينكر الأخطاء، التى ارتكبها الإخوان، وأنها قد هزته لدرجة أنه هو نفسه قد شعر بضرورة حل الجماعة»، وقال إن التحكم فى سير الأحداث يحتاج إلى رجال معينين يمكن للشيخ من خلالهم السيطرة على الموقف تماماً كما يقولون الآن، لكن عبدالهادى لم يقتنع بمنطق الشيخ، ولم يكتف بالبيان الذى أصدره، وأخذ مصطفى مرعى يلح على ضرورة تسليم محطة الإذاعة السرية للإخوان، وكل ما بقى لدى الإخوان من أسلحة. والآن فى أيامنا هذه يخرج أحد قادة حزب الحرية والعدالة معترفاً بأخطاء مرسى وحكم المرشد معلناً استعدادهم إيقاف المظاهرات، وضمنياً قبول إيقاف العنف بشرط الإفراج عن مرسى وقيادات الجماعة. هم هكذا دائماً، ولا أحد يصدقهم أو يعتد بمبادراتهم.

وبعد يومين من صدور «بيان للناس» قبض على أحد قادة الجهاز السرى، وهو يحاول نسف محكمة استئناف مصر، ونترك الحديث للشاهد الأول فى قضية اغتيال البنا «محمد يوسف الليثى»، الذى كان فى هذا الوقت واحداً من القلائل، الذين يلتقون حسن البنا، هو أيضاً الذى حضر ساعة اغتياله على سلم جمعية الشبان المسلمين، ويقول الشاهد: «وحصل حادث نسف محكمة الاستئناف، وأنا قابلت الشيخ البنا، وكان متأثراً جداً من هذا الحدث، وكان يؤكد أن الإخوان مش هما اللى عملوا الحادث، وزعل خالص وبكى، وقال إنه لا تهمه الحكومة، وإنما يهمه الشعب، الذى يصدق أن الإخوان المسلمين إرهابيون، وقال إنه استعجب كيف حصل هذا الحادث، وحصلت بعد كده مفاوضات بينه وبين مصطفى بك مرعى بخصوص المعتقلين، وصالح حرب باشا اتصل بمرعى بيه، الذى قال للشيخ البنا تعمل بيان، كما قلت لك فى الأول وأنت رفضت. لازم تعمل بيان واتفاهموا على إصدار بيان بعنوان «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»، ثم استمرت الاتصالات.

وهكذا وعندما يدخل الصيد إلى المصيدة تصبح التصرفات غير محسوبة، ولنقرأ ما خطه الشيخ البنا بيده: «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».

«وقع هذا الحادث الجديد حادث محاولة نسف مكتب سعادة النائب العام، وذكرت لجرائد أن مرتكب هذا الجرم الفظيع من الإخوان، وأقرر بأن مرتكب هذا الجرم وأمثاله من الجرائم لا يمكن أن يكون من الإخوان، ولا من المسلمين، لأن الإسلام يحرمها، والإخوة تأباها وترفضها.

ومن المرجح، بل من المحقق، أنه أراد به أن يتحدى الكلمة التى نشرتها قبل ذلك بيومين تحت عنوان (بيان للناس)، ولكن مصر الآمنة لن تروعها هذه الظاهرة الخطيرة.

وليعلم أولئك الصغار من العابثين أن خطابات التهديد، التى يبعثون بها إلى كبار الرجال وغيرهم لن تزيد أحداً منهم إلا شعوراً بواجبه، وحرصاً تاماً على أدائه. فليقلعوا عن هذه السفاسف ولينصرفوا إلى خدمة بلادهم كل فى حدود عمله، إن كانوا يستطيعون عمل شىء نافع مفيد.

وإنى لأعلن إننى منذ اليوم سأعتبر أى حادث من هذه الحوادث يقع من أى فرد سبق له اتصال بجماعة الإخوان موجهاً إلى شخصى، ولا يسعنى إزاءه إلا أن أقدم نفسى للقصاص، وأطلب إلى جهات الاختصاص تجريدى من جنسيتى المصرية، التى لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء، فليتدبر ذلك من يسمعون ويطيعون، وسيكشف التحقيق ولا شك عن الأصيل والدخيل، ولله عاقبة الأمور».

«حسن البنا»

فهل يصدق القارئ دموع البنا التى سكبها بين يدى محمد الليثى آملاً أن يقوم بنقلها للمسؤولين، وهل يصدق القارئ هذا البيان الأخير ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين، وهل يصدق أحدكم دموعاً وبيانات سوف تصدر فى أيامنا هذه. إن صدق أحد تلك التمثيليات الدرامية المغلفة بدهاء مكشوف وأسف معلوم أنه غير صادق فإننى أهديه الأسطر التالية لثمة اعتراف خطير أورده أحد قادة الإخوان «صلاح شادى – حصاد العمر – صـ 138» يكاد يجزم فيه بأن حسن البنا كان ورغم ما أصدره من بكائيات هو نفسه وشخصياً من أصدر قرار نسف المحكمة لتدمير الأدلة ضد الإخوان المقبوض عليهم، ويقول إن سيد فايز هو من أمر بالعملية، وإنه يثق تماماً ودون أدنى شك فى أن سيد فايز لا يفعل شيئاً إلا بأمر المرشد، والباقى معلوم بالطبع.

وعلى أى حال فقد كان الشيخ الذى أصبح فى قفص حريته يعانى أكثر من رجاله فى السجن، ويتعرض لضغوط مريرة وعنيفة، فهناك آلاف الأسر بلا عائل، وإخوانه فى السجن يعذبون تعذيباً وحشياً، وهو بلا حول ولا طول.

وبيانه الأول أثار استياء أعضاء الجماعة بالسجون، ويقال إنهم وجهوا له رسالة يقولون فيها إنهم يعتقدون أن البيان مدسوس، فإن كان صحيحاً فإن يوم الحساب آت بعد الإفراج عنا.

وماذا يبقى من الشيخ الذى وجد نفسه بين فكى كسارة البندق سجين ضغوط خصومه، وضغوط رجاله، لكنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً.

رجاله فى السجون يبعثون له يهددونه، وهو يتهم أخلص خلصائه، الذين أقسموا له على المصحف والمسدس يمين الطاعة التامة فى المنشط والمكره.. يتهم «رهبان الليل وفرسان النهار» بأنهم «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين» حتى ولو كان هذا نوعاً من المراوغة والتحايل.

بل هو يتردى فى مديح الحكومة التى تعذب رجاله أشد العذاب، ويقول «إنها حريصة على أمن الشعب وطمأنينته» «وفى ظل جلالة الملك المعظم»، بل يحرض الشعب على التعاون مع الحكومة «للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة».

«رهبان الليل وفرسان النهار» أصبحوا فى آخر بيان للشيخ «أولئك البعض من العابثين» وجهادهم أصبح «سفاسف».

ولا يبقى للشيخ ما يقوله سوى أنه سيطلب تجريده من جنسيته المصرية، التى لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء.

وكان الوحيد من أصدقاء الماضى، الذى يقبل أن يستقبله فى مكتبه الأستاذ «فتحى رضوان»، فقد طلب المرشد المهيض الجناح أن يعتزل فى عزبة الشيخ عبدالله النبراوى بقليوب فاعتقل البوليس الشيخ النبراوى، وقد تجاوز الثمانين من عمره، ثم طلب السفر إلى أسوان ليقيم عند صالح باشا حرب فرفض الأمن طلبه فسأل الأستاذ فتحى رضوان ماذا يفعل؟ وينقل الأستاذ محسن محمد الحوار:

– البنا: ماذا أفعل؟

– رضوان: يا سيدى أرجو أن تصدقنى إذا قلت لك إن الحكومة والملك لا يطيقان مجرد وجودك ووجود جماعتك فى الدنيا.

– البنا: إذن ماذا أفعل؟ هل أسلم بالأمر الواقع وأرتضيه؟ ليتهم يعتقلوننى ويريحوننى.

– رضوان: أرى رأى العين ما يدبر لك فهم ينتظرون أن تتاح لهم فرصة اقتناصك.

– البنا: وبماذا تنصحنى؟

– رضوان: لا تترك منزلك أو أى مكان يمكنك أن تأوى إليه فلا تخرج منه أبداً حتى يقضى الله أمراً كان مفعولا، وقد يتبدل الحال.

– البنا: وهل ينجى هذا الحذر من القدر؟

– رضوان: مطلقاً.

– البنا: وما الفائدة إذن؟

– رضوان: الفائدة ألا تشغل نفسك بما لا نفع فيه، ولا جدوى منه، ولا تسمع لرسل السلطة الذين يعبثون بك.

لكن المرشد المسكين لم يزل يلح، ويكتب إلى رئيس الوزراء راجياً أن يسمح لمصطفى مرعى بمقابلته لعلهما يجدان حلاً، ولا يرد رئيس الوزراء. الشيخ المناور القادر على أن يتلاعب بالجميع انتهى ليتلاعب به الصغار، وهو مستسلم مهيض الجناح، كسير النفس.

ثم كانت النهاية:

قرر القتلة أن يطلقوا الرصاص على جثته.

سحبوا الحراسة المحيطة به، واستدرجوه إلى جلسة مفاوضات أخرى أو أخيرة، وأطلقوا عليه الرصاص.

ويبقى معلقاً للبحث الدقيق التاريخ الحقيقى لوفاة الإمام الشهيد المرشد العام الشيخ «حسن أحمد عبدالرحمن البنا الساعاتى».

هل هو يوم 12 فبراير (1949) كما هو مثبت فى شهادة الوفاة؟

أم هو يوم إصدار الشيخ بيانه «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»؟

أم هو يوم إصدار «بيان للناس»؟

أم قبل ذلك بكثير، يوم سمح لنفسه أن يدخل ميدان السياسة من باب الموالاة للقصر ومخاصمة الشعب؟

وقد أثبت التحقيق أن المدبر الأساسى لمقتل الشيخ حسن البنا كان الملك فاروق.

وأكد الإخوان أنفسهم أكثر من مرة أن الشيخ قد اغتيل فى 12 فبراير 1949 الموافق 14 ربيع ثانى سنة 1368 هجرية يوم عيد ميلاد الملك السابق فاروق أحمد فؤاد، فكان اغتياله هدية ميلاد لملك جلب الدمار لشعبه.

بل لقد وصل الأمر بالجماعة إلى أنها طلبت رسمياً من المحكمة التى عقدت فى أعقاب ثورة يوليو لمحاكمة قتلة الشيخ حسن البنا، تقديم متهمين جدد على رأسهم الملك فاروق، وذلك باعتباره محرضاً وفاعلاً أصلياً.

ولأن القاتل الحقيقى كان فاروق.. فإن الباحث لا يستطيع أن يكتم دهشته، بل ما هو أكثر من الدهشة أو الاحتقار، إذ يجد فى سجل تشريفات قصر عابدين يوم 14 نوفمبر 1951 أسماء عديد من قادة الإخوان أتوا إلى أبواب قصر الملك ليعربوا لقاتل شيخهم وإمامهم ووسيلتهم إلى الله سبحانه وتعالى ومؤسس جماعتهم حسن البنا، ربما عن ولائهم، وربما عن نسيانهم دم شهيدهم، والتوقيعات ذات دلالة.

– خليفة الشيخ البنا.. المرشد الجديد المستشار حسن إسماعيل الهضيبى.

– أقارب الشيخ البنا.. شقيقه عبدالرحمن البنا، عضو مكتب الإرشاد العام.

– وصهره عبدالحكيم عابدين، سكرتير عام الجماعة.

– وأقرب المقربين إليه من رجاله:

– صالح عشماوى

– عبدالقادر عودة

– حسين كمال الدين

– محمد الغزالى

– عبدالعزيز كامل

– وكلهم أعضاء فى مكتب الإرشاد العام

– وحتى السكرتير الخاص للإمام الشهيد وكاتم أسراره ورفيق رحلته الطويلة سعد الدين الوليلى أتوا به معه ليوقع هو أيضاً معرباً عن ولائه للملك فاروق.

وطوال رحلتنا مع هذه الدراسة تراكمت علامات استفهام وعلامات تعجب كثيرة، وتكون علامة التعجب الأخيرة مثاراً لما هو أكثر من الدهشة، ومثاراً للتساؤل حول مدى وفاء هؤلاء الموقعين لذكرى شيخهم وإمامهم ومرشدهم وشهيدهم، وحول مدى صدق ما ظلوا وحتى الآن يصيغونه من تراتيل الوفاء لشيخ ذبحوا ذكراه على أعتاب قصر قاتله!

أرجو من القارئ أن ينتظر مواقف مماثلة من قيادات الجماعة أو الجمعية أو الحرية والعدالة دون أن يدهش ولو بأقل قدر فهم لا ينجحون. دوماً لا ينجحون ويعتبرون ذلك الانبطاح الكاذب جزءا من خداع الطاغوت حتى يتمكن منه فيقتله.

كان ذلك فى المحنة الأولى، التى استمرت من 1954 وحتى 1972، وبعدها استفاقت الجماعة على يدى عملية إنعاش قام بها السادات. فالسادات غير عبدالناصر، وقد وجد فى الجماعة منقذا ذلك من ضغوط القوى اليسارية والناصرية، وعادت الجماعة إلى غرفة الإنعاش بعد ثمانية عشر عاماً من الكمون. ولكن هذه المحنة الأخيرة التى اكتسح فيها الشعب حكم الإخوان فى 30 يونيو 2013 سوف تتطلب وقتاً أطول كى يستطيع الإخوان التقاط أنفاسهم، فالذى أسقطهم وأدانهم هو الشعب وليس الحاكم وحده، وهذا يتطلب فى اعتقادنا زمناً أطول.. فقد ذاقت الجماهير مرارة حكم الإخوان، ولا بد لنا أن ندرك ذكاء الشعب، الذى لم يقل يسقط مرسى، وإنما هتف يسقط حكم المرشد، يسقط حكم الإخوان، ولا شك أن سقوط الجماعة الحاكمة فى مصر سينعكس قطعاً على كل الأنظمة المتأسلمة فى المنطقة كتركيا وتونس والسودان، وسيحتاج الأمر زمناً ليس بالقصير، كى يعاود المتأسلمون امتلاك القدرة على التأسلم المعلن فى ساحة العمل السياسى.

وما يهمنا قبل أن نختتم هذه الكتابة هو أن الجماعة ظلت أبداً فى قفص التعليمات والعبارات والنصوص، التى ألصقها حسن البنا بتاريخها منذ البداية وحتى الآن. الممارسات ذاتها العنف ذاته والأكاذيب ذاتها. والجهاز السرى الإرهابى ذاته، والمبدأان الحاكمان ذاتهما.. «لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت» و«هذا المنهاج كله من الإسلام» تتمسك بهما الجماعة فتسقط وتنهض لتتمسك بهما رغم أن هذا التمسك كان السبب فى الكبوة فتسقط.. وسقطة هذه المرة سيطول أمرها، أو هذا ما أعتقد.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s