تمثال الحرية وقناة السويس


هل تعلم أن تمثال الحرية أحد أكبر معالم الولايات المتحدة الامريكية حاليا هو مشروع صمم خصيصا لمصر لكي يتم وضعه في مدخل قناة السويس؟

483859_562205147143198_786305412_n.jpg

تعالى نعرف الموضوع بس في البداية نحب نقولكم ان دي رسمة تصورية لشكل التمثال ومكانه في مدخل قناة السويس.


في عام 1869 قام فريدريك بارتولدي بتصميم نموذج مُصغر لتمثال يمثل سيدة تحمل مشعلا، وعرضه على الخديوي إسماعيل ليتم وضع التمثال في مدخل قناة السويس المفتتحة حديثا في 16 نوفمبر من هذا العام، لكن الخديوي إسماعيل إعتذر عن قبول اقتراح بارتولدي نظرا للتكاليف الباهظة التي يتطلبها هذا المشروع، حيث لم يكن لدى مصر السيولة اللازمة لمثل هذا المشروع خاصة بعد تكاليف حفر القناة ثم حفل افتتاحها.

في هذا الوقت، كانت الجمهورية الفرنسية الثالثة تتملكها فكرة إهداء هدايا تذكارية لدول شقيقة عبر البحار من أجل تأصير أواصل الصداقة بها، لذلك تم التفكير في إهداء الولايات المتحدة الأمريكية هذا التمثال في ذكري احتفالها بالذكري المئوية لإعلان الاستقلال،عام 1876 م

وبدأت الاستعدادات علي قدم وساق، حيث تم الاتفاق علي أن يتولى الفرنسيون تصميم التمثال بينما يتولي الأمريكيون تصميم القاعدة التي سوف يستقر عليها.

الرئيس يلتقي مع لفيف من الكتاب والمفكرين


الرئيس يلتقي مع لفيف من الكتاب والمفكرين ويدعو إلى تشكيل مجموعات عمل للتباحث بشأن مختلف القضايا الوطنية والتحديات التي تواجه الدولة المصرية

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

اجتمع السيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي اليوم بلفيف من الكتاب والمفكرين، وذلك بحضور السيد/ حلمي النمنم وزير الثقافة، ووزيري الثقافة السابقين جابر عصفور ومحمد صابر عرب، وعدداً من أعضاء المجلس الأعلى للثقافة. وصرح السفير/ علاء يوسف المتحدث الرسمي باِسم رئاسة الجمهورية بأن هذا الاجتماع يأتي في مستهل سلسلة من اللقاءات التي يعتزم السيد الرئيس إجراءها مع مختلف القوى المصرية الفكرية والسياسية والاقتصادية، والتي تهدف إلى تحقيق مزيد من التواصل والتعاون للتصدي للتحديات وصياغة رؤية مستقبلية لمصر تقوم على أساس الحوار والمشاركة المجتمعية.

وأضاف المتحدث الرسمي أن السيد الرئيس اِستهل الاجتماع بالتأكيد على أهمية تجسير الفجوة بين التنظير والرؤى وبين الواقع العملي من أجل التمكن من تحويل الأفكار والمقترحات إلى سياسات على أرض الواقع. ونوّه السيد الرئيس إلى صعوبة الواقع الإقليمي الذي تشهده المنطقة في الوقت الراهن وما يشكله ذلك من تحدٍ يتعين تكاتف كافة القوى الوطنية للتغلب عليه من أجل تحقيق آمال وطموحات المصريين.

وذكر السفير/ علاء يوسف أن السيد الرئيس استمع إلى رؤى ومقترحات السادة الحضور والتي تناولت التأكيد على أهمية زيادة مشاركة القطاع الخاص والأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والنقابات المهنية في جهود التنمية الشاملة، بما يدعم البُعد التنموي لدور تلك المؤسسات. كما لفت الحاضرون إلى أهمية دور الإعلام والعمل على ضبط الأداء الإعلامي وتصويب ما يشوبه من قصور في الآونة الأخيرة، فضلاً عن قيامه بإظهار الصورة الحقيقية والتعريف بالجهود التنموية التي تبذلها الدولة وما حققته من إنجازات في هذا الصدد، مع التركيز على قضايا الوطن المحورية لتعريف المواطنين بالحقائق من منظورٍ يستهدف تحسين الأداء والمساهمة في دفع عملية التنمية.

ونوَّه الحاضرون إلى أهمية تدارك مشكلة الاستقطاب والانقسام اللذين يهددان العديد من دول المنطقة، منوهين إلى أنهما أصبحا يسودان مختلف مناحي الحياة في العديد من دول المنطقة سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي أو الديني. وأكد السادة الحضور على أهمية التصدي لكافة محاولات تهديد أو تقسيم الدول العربية.

وشدد الحاضرون على أهمية ضمان حرية الرأي والتعبير دون قيود، وتوفير بيئة مواتية لازدهار الفكر والثقافة بما يتناسب مع كون مصر دولة مدنية، منوهين إلى أن مصر كانت لها إسهاماتها الفاعلة في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة.

وذكر السفير علاء ويوسف أن السادة الحضور أكدوا على الصلة الوثيقة بين المشكلات الاقتصادية وبين تدهور السلوك الاجتماعي وانتشار الفكر المتطرف، منوهين إلى أن جهود الإصلاح الاجتماعي وتجديد الخطاب الديني يتعين أن تتزامن مع التوصل إلى حلول عملية للمشكلات الاقتصادية. كما أكدوا على أهمية النهوض بقطاعيّ الصناعة والزراعة في مصر ومكافحة البطالة، فضلاً عن تحقيق معدلات مرتفعة للتنمية وليس للنمو فقط، علاوةً على عدالة توزيع الدخول.

وأضاف المتحدث الرسمي أن السيد الرئيس عقب على مداخلات المتحدثين بالتأكيد على أن أعظم إنجازات ثورتيّ المصريين هو القضاء على احتكار السلطة أو البقاء فيها ضد إرادة الشعب المصري. ونوه سيادته إلى أن الأولوية خلال المرحلة الراهنة هي الحفاظ على الدولة المصرية وصيانة مؤسساتها، مع العمل على إصلاحها. وأكد السيد الرئيس حرص الدولة على تحقيق التوازن المنشود بين الحقوق والحريات وبين الاعتبارات الأمنية الضرورية لاستقرار الدولة ومواصلة مسيرتها، أخذاً في الاعتبار مسئولية الدولة عن مصير ومستقبل 90 مليون مصري. ونوّه السيد الرئيس في هذا الصدد إلى أنه تم الإفراج عن أربع دفعات من المحبوسين بمبادرات من المجلس القومي لحقوق الإنسان، وشباب الإعلاميين. وأكد الســيد الرئيس على ضرورة إيلاء الاهتمام الــــلازم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لتوفير ظروف إنسانية أفضل لمحدودي الدخل والفئات الأولى بالرعاية مثل قاطني العشوائيات، وذلك جنباً إلى جنب مع الحقوق المدنية والسياسية التي يتعين تنميتها وازدهارها. ونوه السيد الرئيس إلى حرص لدولة على توفير فرص العمل، موضحاً أن المشروعات التنموية التي تنفذها الدولة وفرت ما بين 2-3 ملايين فرصة عمل.

وشدد السيد الرئيس على أن الدول لا تقوم إلا بالعرق والجهد، وانه حرص على مصارحة الشعب المصري منذ البداية بصعوبة الواقع الاقتصادي في مصر، والذي يقتضي تكاتف الجهود وتحمُل الظروف الصعبة حتى تحقق البلاد مستقبلا أفضل. ونوّه السيد الرئيس إلى أنه على الرغم من صعوبة الظروف الاقتصادية لمصر إلا أنها حافظت على استقرار القرار الوطني، وراعت مصالح شعبها قبل أي اعتبار آخر.

ونوّه السيد الرئيس إلى أن حرية الإعلام تستهدف منح هذا القطاع الحيوي الفرصة للتنظيم الذاتي والقيام بدوره الوطني في تلك المرحلة الدقيقة من مسيرة الوطن، مشيراً إلى أن العديد من الحاضرين يعملون في هذا المجال وتُتاح لهم الفرصة للتعبير عن رؤاهم وتوجهاتهم في العديد من المنابر الإعلامية.

وقد أكد السيد على أهمية دور المرأة المصرية الذي يحظى بكل احترام وتقدير، فضلاً عن مشاركتها الواعية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الصعيدين الداخلي والدولي. ونوّه السيد الرئيس إلى المكانة السامية التي تتميز بها المرأة في الإسلام الحنيف.

وفي إطار أهمية دور المثقفين والمفكرين في المشاركة في قضايا الوطن، دعا السيد الرئيس الحاضرين إلى تشكيل مجموعات عمل يضمون إليها من يرون من الخبرات المصرية للتباحث بشأن مختلف القضايا الوطنية والتحديات التي تواجه الدولة المصرية، مع طرح سُبل التصدي لتلك التحديات على أرض الواقع. وأوضح السيد الرئيس أنه سيلتقي بالحاضرين بعد شهر لمناقشة ما تم التوصل إليه من توصيات في هذا الشأن، مشدداً على إيمان الدولة المصرية بأهمية الحوار والمشاركة المجتمعية، ومنوهاً إلى أنه لا احتكار للسلطة في مصر فرئيس الدولة ذاته هو اِبن من أبناء مصر.

القوات المسلحة تنتهى من تطوير (45) منطقة عشوائية بنطاق القاهرة الكبرى


القوات المسلحة تنتهى من تطوير (45) منطقة عشوائية بنطاق القاهرة الكبرى ..
الهيئة الهندسية تشرف على تطوير (17) منطقة عشوائية بالقاهرة و(13) بالجيزة و(15) بحلوان ..
البدء فى تطوير منطقة ” أرض الدواجن ” بعزبة الوالدة بحلوان وإقامة محطة رفع وشبكات للصرف والمياه والكهرباء ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنفيذاً لتوجيهات الرئيس / عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بسرعة التدخل لتطوير المناطق العشوائية ذات الكثافة السكانية العالية بنطاق القاهرة الكبرى والمحافظات ، إنتهت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع عدد من الشركات المدنية من تطوير (45) منطقة عشوائية بنطاق محافظاتى القاهرة والجيزة وحلوان بتكلفة مالية بلغت (497 مليون و400 ألف جنيه ) ، وذلك ضمن بروتوكول التعاون مع صندوق تطوير المناطق العشوائية وإتحاد بنوك مصر .
وقد تضمنت المشروعات التى تم تنفيذها بتلك المناطق أعمال الإحلال والتجديد لشبكات مياه الشرب والصرف الصحى وشبكات الحريق ، ورصف وإنارة الشوارع الرئيسية والفرعية وإنترلوك بالممرات وإنشاء عدد من الأسواق المجمعة لخدمة المواطنين وإعادة إنشاء عدد من المنازل الخاصة بالمواطنين الذين تضررت منازلهم ، والتى تم تنفيذها فى زمن قياسى غير مسبوق برغم الصعوبات والعقبات التى واجهت تنفيذ تلك المشروعات .
ففى محافظة القاهرة تم الإنتهاء من تطوير (17) منطقة عشوائية بنسبة (100 %) ، شملت مناطق ” مربع شارع البترول وشارع الشيخ منصور ” بحى المرج ، ومنطقتى ” عين شمس الجنوبية والشمالية ” بحى عين شمس ، ومنطقة “الإباجية” بالخليفة ، و”عزبة أبو حشيش” بحدائق القبة ، ومنطقة ” أبوليلة ومتفرعات أحمد خليل ” بالزاوية الحمراء ، و” سوق الوحايد ومناطق متفرقة ” بمنشأة ناصر ، ومنطقة ” كوتسيكا ” بطرة ، ومنطقة ” جرجس العسال ” بشبرا ، ومنطقتى”عزبة نافع والخبيرى” بالمعادى ، و2 منطقة بحى دار السلام هى ” خير الله وجزيرة دار السلام ” ، وثلاث مناطق بنطاق حى أول السلام هى ” تقسيم مكة وسوق أسبيكو وسوق النيل ” ، بالإضافة لمنطقة ” عزبة الهجانة ” شرق مدينة نصر .
وشملت المناطق التى تم الإنتهاء من تطويرها بمحافظة الجيزة بنسبة (100%) بلغت (13) منطقة منها ” مربع ذكى مطر وعزبة الصعايدة وعزبة المطار بإمبابة ” بشمال الجيزة ، ومنطقتى ” بحر البلد وعزبة المفتى ” بالوراق ، ومنطقة ” أبو قتادة ” ببولاق الدكرور ، ومنطقتى ” العجوزة القديمة وأرض اللواء ” بالعجوزة ، ومنطقة ” الطالبية القديمة ” بالعمرانية ، ومنطقة ” الرقعة ” جنوب الجيزة ، ومناطق ” كفر نصار وعزبة جبريل وكفر العرب ” بالهرم .
فى حين بلغت عدد المناطق التى تم تطويرها بنسبة (100%) بنطاق حى حلوان (15) منطقة شملت مدينة الهدى وركن حلوان وعزبة الوالدة وعرب الوالدة ومنشية عين حلوان وبين العزبتين ومنشية السلام خلف الحميات وعرب راشد الغربية وعرب أبودحروج ، وتطوير(5) مناطق عشوائية بنطاق كفر العلو شملت ” الكورنيش وأرض الجنينة وعرب البراوى وأرض اللواء وعرب كفر العلو ” والتى شملت أعمال رصف وتبليط وإنارة بالأعمدة والكوابيل وإنشاء شبكات الصرف وحنفيات الحريق ومناطق للأسواق .
كما تقوم عناصر الهيئة الهندسية حالياً بتطوير منطقة ” أرض الدواجن بعزبة الوالدة بحلوان ، حيث تشمل المكونات الرئيسية للمشروع إقامة محطة رفع للصرف الصحى ، وإنشاء شبكة الصرف وشبكة المياه ورصف الطرق وإقامة ممرات بنظام الإنترلوك ، وتركيب أعمدة وكوابيل الإنارة وحنفيات الحريق .
يأتى ذلك فى إطار دعم الجهود المبذولة بالتعاون مع الأجهزة المعنية بالدولة لتنفيذ الخطط العاجلة لمراعاة البعد الإجتماعى وتحسين الظروف

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

المعيشية للمواطنين المقيمين بتلك المناطق .

جماعة الإخوان.. مسيرة الصعود هبوطاً الحلقة الثالثة


.. وسقط القناع

وفى السياسة أنت تتفق وتختلف ثم قد تعود لتتفق، ولكن الجماعة قد أعدت ومنذ البداية معيارا واحدا، أما أن تخضع تماما وتقبل كل شىء وأى شىء، وتبايع على السمع والطاعة، أو عليك أن تستعد لاستقبال التهمة الأفدح، وهى التكفير وبين هذا وذاك تظل المراوغة الإخوانية هى التكتيك المتبع، لكن المراوغة قد تحقق كسبا مرة أو مرتين أو ثلاثا، ثم تكون النهاية القاصمة عندما يكتشف الناس الحقيقة، وكان هذا الأمر فى الماضى،

picture_4

رفعت السعيد

وهكذا كان الأمر يوم 30 يونيو حيث سقط القناع الإخوانى، وخرج الشعب هاتفا يسقط حكم المرشد.

وعندما يأتى التأسلم إلى ساحة السياسة سافراً يقدم «البنا» برنامجاً للمؤتمر الثالث يقول عنه «هذا المنهج كله من الإسلام، وكل نقص منه نقص من الإسلام ذاته» فصادر بهذا القول الإسلام لصالحه، ووضع كل من ينتقد البرنامج أو يطالب بإضافة إليه خارجاً على ملة الإسلام، ومن ثم يكون العنف. فعندما يتصور الإخوانى أنه يتحدث باسم السماء.. فمن يقول له «لا» ولو بنقد بسيط يكون كافراً. فيكون العنف واجبا وفريضة، ولم يكن العنف عند الأستاذ البنا هواية ولا أمراً عشوائيا، بل جرى التخطيط له بعناية وحرص، ومن ثم كان هناك الجهاز الإرهابى السرى، الذى سمى الجهاز الخاص، ولأن حبراً كثيراً قد أريق على صفحات كتب ودراسات حول هذا الموضوع، ولأن البنا قد أنكر أحياناً وجوده، وقال معه بعض أتباعه إنه أنشئ لمواجهة الاحتلال والصهيونية.

ولأن كثيراً من الأقوال والأقوال المضادة جرى تقاذفها، فإننا سنكتفى بأن نستدعى القارئ لمطالعة كتابات للقادة الإخوانيين، التى تحدثوا فيها بفخر ومباهاة عن الجهاز السرى، وعما قام به من أعمال إرهابية، متخذين من ذلك دليلاً لا يدحض على وجود الجهاز، ودليلاً لا يدحض أيضاً على ما قام به من أعمال نسميها نحن إرهابية، وهم يتباهون بها باعتبارها جهاداً.

فقط نترك لقادة الإخوان المجال كى يتكلموا. فقد اعترفوا صراحة بما فعلوا، وهم:

■ صلاح شادى – حصاد العمر.. وكان مسؤولا عن جهاز «الوحدات» وهو تنظيم إخوانى سرى لضباط الجيش والبوليس.

■ صلاح شادى – الشهيدان حسن البنا وسيد قطب.

■ أحمد عادل كمال – النقط فوق الحروف «كان الرجل الثانى فى الجهاز».

■ محمود عبدالحليم – الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ رؤية من الداخل – ثلاثة أجزاء «تعتبر التاريخ الرسمى للجماعة».

■ محمود الصباغ – حقيقة النظام الخاص ودوره فى دعوة الإخوان المسلمين – جدير بالذكر أن الأستاذ مصطفى مشهور كتب مقدمته عندما كان مرشداً عاماً للجماعة.

هؤلاء جميعاً أكدوا بوضوح تام وجود الجهاز السرى، وأوردوا تفاصيل ما قام به من أعمال إرهابية، لكننا سنتوقف فقط عند واقعتين لنعرف مدى صدق الأستاذ البنا فى حديثه عن هذا الجهاز الإرهابى، ونبدأ باغتيال الخازندار، وكان قتل المستشار احتجاجاً على حكم قضائى أصدره ضد أعضاء من الإخوان مثار سخط الرأى العام، الأمر الذى أدى بحسن البنا إلى إنكار أى علاقة له أو لجماعته بهذه العملية، بينما أثبت التحقيق أن أحد القاتلين كان سكرتيره الخاص.. ونلجأ إلى أحد قادة الجهاز السرى، الذى أورد وبتفصيل مثير للدهشة قصة محاكمة «عبدالرحمن السندى»، مسؤول الجهاز الإرهابى، أمام محكمة إخوانية ليس لأنه أمر بارتكاب الجريمة، وإنما لأنه فعلها دون إذن من فضيلة المرشد، والمحكمة الإخوانية كانت تضم عشرة من قادة الجماعة، ويرأسهم حسن البنا.

ونطالع ما قاله المؤرخ الإخوانى نصاً «قال السندى إنه تصور أن عملية القتل سوف ترضى فضيلة المرشد، ولأن المرشد يعلم عن السندى الصدق فقد أجهش بالبكاء»، وبعد قليل من البكاء المتبادل صدر حكم المحكمة الإخوانية، وينص «تحقق الإخوان من أن الأخ عبدالرحمن السندى قد وقع فى فهم خاطئ، وفى ممارسة غير مسبوقة من أعمال الإخوان، ورأوا أن يعتبر الحادث قتل خطأ، حيث لم يقصد عبدالرحمن، ولا أحد من إخوانه سفك نفس بغير نفس، وإنما قصدوا قتل روح التبلد الوطنى فى بعض أفراد الطبقة المثقفة من شعب من أمثال الخازندار، ولما كان هؤلاء الإخوان قد ارتكبوا هذا الخطأ فى ظل انتمائهم إلى الإخوان المسلمين وبسببه.. فقد حق على الجماعة دفع الدية، التى شرعها الإسلام كعقوبة على القتل الخطأ من ناحية، وأن تعمل الجماعة على إنقاذ المتهمين البريئين من حبل المشنقة بكل ما أوتيت من قوة، فدماء الإخوان ليست هدراً»، ثم «ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين جزءاً من الشعب، وكانت الحكومة قد دفعت بالفعل ما يعادل الدية لأسرة الخازندار، حيث دفعت لهم من مال الشعب عشرة آلاف جنيه، فإنه من الحق أن نقرر أن الدية قد دفعتها الدولة عن الجماعة، وبقى على الإخوان إنقاذ حياة الضحيتين البريئتين محمود زينهم وحسن عبدالحافظ (قاتلى الخازندار)» فقط أرجو من القارئ أن يعيد قراءة هذا الحكم، وأن يتذكر نفى البنا أى علاقة له ولجماعته بالجريمة فور وقوعها، بل نفاها البنا نفياً قاطعاً فى كتابه الأخير، الذى خطه قبيل وفاته وعنوانه «قول فصل». أما الواقعة الثانية فهى أن المرشد حسن الهضيبى قد أصغى إلى نصيحة من الإخوان تقول إنه ليس من الملائم أن يظل قادة الجهاز السرى القدامى الذين عرف الأمن أسماءهم وأدوارهم فى قيادة جهاز سرى، ثم وكما يقول صلاح شادى وبالنص «واقتنع فضيلة المرشد بهذا الرأى، وبدأ يحكم خطوة الإعلان عن عدم وجود هذا النظام داخل الجماعة، وفى الوقت نفسه أبقى عليه وعين الأخ يوسف طلعت مسؤولاً عن الجهاز».

ونكتفى بهاتين الواقعتين رغم أن هناك عديداً من الوقائع المماثلة، التى أوردها أيضاً قادة إخوانيون.

ونعود إلى أحداث 1948 فمع تفجر الخلافات بين البنا والحكومة تتوالى تفجيرات مرعبة هزت القاهرة، ويكتشف الأمن أن الجهاز السرى أخطر مما كان متصوراً، وفى 15 نوفمبر ضبطت سيارة الجيب الشهيرة.

وتقول مصادر البوليس إن ضبط السيارة تم مصادفة، ولو أن الكثيرين يستبعدون ذلك، وعلى أى حال فإن واقعة سيارة الجيب قد وضعت يد البوليس فى ضربة من ضربات الحظ على اثنين وثلاثين من أهم كوادر الجهاز السرى وعلى وثائق وأرشيفات الجهاز بأكمله بما فيها خططه وتشكيلاته وأسماء الكثيرين من قادته وأعضائه.

كان البنا قد أمضى معظم شهر أكتوبر وبضعة أيام من نوفمبر زاعماً أنه كان طوال هذه الفترة مؤدياً فريضة الحج، فما إن عاد حتى تعرض للقبض عليه بمقولة وجود دليل فى سيارة الجيب المضبوطة ضده، وبمقولة مسؤوليته المباشرة عن حادث نسف شركة الإعلانات، ثم أفرج عنه.

وخرج البنا من السجن ليبذل جهداً لإيقاف عجلة الأحداث محاولاً إنقاذ الجماعة من الوقوع فريسة لنظام أصبح غير راض عنها، وراغب فى الخلاص منها.

لكن سرعة الأحداث كانت تفوق قدرة الشيخ على الحركة.

والشيخ الذى اعتاد على المناورة بالسياسة والسياسيين وجد نفسه محاصراً وعاجزاً عن التلاعب بمن أصبحوا هم الذين يتلاعبون به، ثم صدر قرار من الحاكم العسكرى، (كانت الأحكام العرفية معلنة بسبب حرب فلسطين) بإيقاف صحيفة الجماعة، حاول البنا يائساً إنقاذ الجماعة، اتصل بكل أصدقائه وحتى بخصومه، ولعب بكل أوراقه، حاول الاتصال بالملك، وبإبراهيم عبدالهادى، رئيس الديوان الملكى، وبعبدالرحمن عمار (صديقه الشخصى وصديق الجماعة)، وكان وكيلاً لوزارة الداخلية.

ولأن الشيخ فقد أسباب قوته بدأوا جميعاً يتلاعبون به، ففى الساعة العاشرة من مساء يوم 8 ديسمبر اتصل به عبدالرحمن عمار، وأكد له أن شيئاً ما سيحدث لتحسين الموقف، وإنقاذ الجماعة، واطمأن الشيخ، وقبع هو ومجموعة من أخلص أنصاره فى المركز العام ينتظرون «الإنقاذ» فإذا بالراديو وفى العاشرة تماماً يذيع عليهم قرار مجلس الوزراء حل الجماعة بناء على مذكرة أعدها عبدالرحمن عمار نفسه.

وإذ حاول الأعضاء الخروج من مقر المركز العام وجدوه محاصراً، واقتحم البوليس المقر ليلقى القبض على كل من فيه باستثناء البنا، الذى ترك طليقاً بحجة أنه لم يصدر أمر باعتقاله، وكانت حريته هذه هى عذابه ونهايته.

واشتملت مذكرة عبدالرحمن عمار، المرفوعة إلى مجلس الوزراء بشأن حل جماعة الإخوان المسلمين، على قرار اتهام طويل يعيد إلى الأذهان كل أعمال العنف، التى ارتكبتها الجماعة، حتى تلك التى ارتكبتها بإيعاز من السلطات ولخدمة مصالحها.

وبناء على هذه المذكرة أصدر الحاكم العسكرى العام «محمود فهمى النقراشى باشا» قراراً عسكرياً من تسع مواد تنص مادته الأولى: «تحل فوراً الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها أينما وجدت، وتغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها، وتضبط جميع الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال، وعلى العموم كل الأشياء المملوكة للجمعية، ويحظر على أعضاء مجلس إدارة الجمعية المذكورة وُشعبها ومديريها وأعضائها والمنتمين إليها بأى صفة كانت مواصلة نشاط الجمعية، وبوجه خاص عقد اجتماعات لها أو لإحدى شعبها، أو تنظيم مثل هذه الاجتماعات، أو الدعوة إليها أو جمع الإعانات أو الاشتراكات أو الشروع فى شىء من ذلك، ويعد من الاجتماعات المحظورة فى تطبيق هذا الحكم اجتماع خمسة فأكثر من الأشخاص، الذين كانوا أعضاء بالجمعية المذكورة، كما يحظر على كل شخص طبيعى أو معنوى السماح باستعمال أى مكان تابع له لعقد مثل هذه الاجتماعات، أو تقديم أى مساعدة أدبية أو مادية».

وحاول البنا جهد طاقته أن يوقف طوفان المحنة، لكنه كان عاجزاً بالفعل.

فالحكومة التى هادنها وهادنته كانت تضرب بعنف وقوة مصممة على تصفية الإخوان، وكم تكررت عمليات كهذه فيما بعد 1954 و1956 والآن، ورفض النقراشى كل محاولات البنا الالتقاء به، والجماعة التى بناها الشيخ بعرقه وجهده، وشيدها بيده لبنة لبنة عبر عشرين عاماً تنهار أمام عينيه وجهازه السرى تتقطع خطوط اتصاله فقد كانت ضربة سيارة الجيب قاصمة بالنسبة لقيادة الجهاز السرى وشبكات اتصالها.

وفى 28 ديسمبر وقعت الواقعة، وصعدت المأساة إلى أعلى قممها إذ قام طالب فى الثالثة والعشرين من عمره (عبدالمجيد أحمد حسن) بإطلاق رصاصتين محكمتى التصويب على رئيس الوزراء «محمود فهمى النقراشى باشا»، وأين؟ داخل مبنى وزارة الداخلية، واتضح أنه عضو بالجهاز السرى، وشيع أنصار الحكومة جثمان رئيس وزرائهم هاتفين فى صراحة «الموت لحسن البنا».

وأتى إبراهيم عبدالهادى ليدير ماكينة العنف الرسمى إلى أقصى مداها.

وكان أكثر ما يؤلم المقبوض عليهم من الإخوان قيام أجهزة الأمن بتعليق الآية الكريمة «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم».

ولعل شكوكاً كثيرة قد ساورت هؤلاء الشبان من أعضاء الجهاز السرى، وهم يعانون من التعذيب الوحشى فى جدوى عملية الإرهاب ضد خصومهم السياسيين، وفى مدى انطباق «فكرة الجهاد» على ما ارتكبوه من أعمال، ولعل فتاوى مفتى الديار المصرية وبيانات شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء التى تدين أعمالهم قد أثرت فيهم قليلاً أو حتى كثيراً، لكنهم كانوا قد تلقنوا أن دار الإفتاء ومشيخة الأزهر قد تلبسها الشيطان، وأن شيوخها عملاء للطاغوت.

لكن الطامة الكبرى جاءت عندما استنكر الشيخ البنا نفسه هذه الأعمال، واتهم القائمين بها بتهم غليظة، وتبرأ منهم ومن جرائمهم، هنا انهار المتهمون جميعاً فقد كان صمودهم واحتمالهم للتعذيب يستمد كل صلابته من «البيعة»، التى أقسموا بها بين يدى الشيخ فى حجرة مظلمة، فإذ يتخلى الشيخ عنهم، وعن فكرة الجهاد كما لقنها هو لهم، فماذا يبقى؟ ماذا يبقى وقد استسلم الإمام الروحانى والربانى والقائد المقدام لإرادة الطاغوت؟ هنا تسقط البيعة، ويصبح الإنسان فى حل من الارتباط بالجماعة أو الالتزام بها وبتعاليمها.

ولقد صمد «عبدالمجيد حسن» ثلاثة أسابيع كاملة فى مواجهة تعذيب وحشى ضده وضد أسرته، لكنه ما لبث أن انهار تماماً عندما قرأ بيان الشيخ البنا، الذى نشرته الصحف، وبدأت موجات من الاعترافات الإخوانية المذهلة.

لقد وقع البنا وهو فى قمة ضعفه فى مصيدة الوسطاء، وكان الوسيط الأساسى هو مصطفى بك مرعى، الذى كان يغريه بإصدار بيانات تدين أفعال الجماعة، مؤكداً له أنه بهذا سينقذ ما تبقى من الجماعة.

وهكذا فعندما يتردى السياسى فى هاوية التنازلات، فلا عاصم، ويوقع البنا بياناً بعنوان «بيان للناس» استنكر فيه الشيخ أعمال رجاله ورفاق طريقه ودمغها بالإرهاب، والخروج على تعاليم الإسلام.

كان البنا فى مفاوضاته مع مصطفى مرعى يلح على ضرورة الإفراج عن بعض رجاله، معلناً أنه «لا يستطيع أن ينكر الأخطاء، التى ارتكبها الإخوان، وأنها قد هزته لدرجة أنه هو نفسه قد شعر بضرورة حل الجماعة»، وقال إن التحكم فى سير الأحداث يحتاج إلى رجال معينين يمكن للشيخ من خلالهم السيطرة على الموقف تماماً كما يقولون الآن، لكن عبدالهادى لم يقتنع بمنطق الشيخ، ولم يكتف بالبيان الذى أصدره، وأخذ مصطفى مرعى يلح على ضرورة تسليم محطة الإذاعة السرية للإخوان، وكل ما بقى لدى الإخوان من أسلحة. والآن فى أيامنا هذه يخرج أحد قادة حزب الحرية والعدالة معترفاً بأخطاء مرسى وحكم المرشد معلناً استعدادهم إيقاف المظاهرات، وضمنياً قبول إيقاف العنف بشرط الإفراج عن مرسى وقيادات الجماعة. هم هكذا دائماً، ولا أحد يصدقهم أو يعتد بمبادراتهم.

وبعد يومين من صدور «بيان للناس» قبض على أحد قادة الجهاز السرى، وهو يحاول نسف محكمة استئناف مصر، ونترك الحديث للشاهد الأول فى قضية اغتيال البنا «محمد يوسف الليثى»، الذى كان فى هذا الوقت واحداً من القلائل، الذين يلتقون حسن البنا، هو أيضاً الذى حضر ساعة اغتياله على سلم جمعية الشبان المسلمين، ويقول الشاهد: «وحصل حادث نسف محكمة الاستئناف، وأنا قابلت الشيخ البنا، وكان متأثراً جداً من هذا الحدث، وكان يؤكد أن الإخوان مش هما اللى عملوا الحادث، وزعل خالص وبكى، وقال إنه لا تهمه الحكومة، وإنما يهمه الشعب، الذى يصدق أن الإخوان المسلمين إرهابيون، وقال إنه استعجب كيف حصل هذا الحادث، وحصلت بعد كده مفاوضات بينه وبين مصطفى بك مرعى بخصوص المعتقلين، وصالح حرب باشا اتصل بمرعى بيه، الذى قال للشيخ البنا تعمل بيان، كما قلت لك فى الأول وأنت رفضت. لازم تعمل بيان واتفاهموا على إصدار بيان بعنوان «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»، ثم استمرت الاتصالات.

وهكذا وعندما يدخل الصيد إلى المصيدة تصبح التصرفات غير محسوبة، ولنقرأ ما خطه الشيخ البنا بيده: «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».

«وقع هذا الحادث الجديد حادث محاولة نسف مكتب سعادة النائب العام، وذكرت لجرائد أن مرتكب هذا الجرم الفظيع من الإخوان، وأقرر بأن مرتكب هذا الجرم وأمثاله من الجرائم لا يمكن أن يكون من الإخوان، ولا من المسلمين، لأن الإسلام يحرمها، والإخوة تأباها وترفضها.

ومن المرجح، بل من المحقق، أنه أراد به أن يتحدى الكلمة التى نشرتها قبل ذلك بيومين تحت عنوان (بيان للناس)، ولكن مصر الآمنة لن تروعها هذه الظاهرة الخطيرة.

وليعلم أولئك الصغار من العابثين أن خطابات التهديد، التى يبعثون بها إلى كبار الرجال وغيرهم لن تزيد أحداً منهم إلا شعوراً بواجبه، وحرصاً تاماً على أدائه. فليقلعوا عن هذه السفاسف ولينصرفوا إلى خدمة بلادهم كل فى حدود عمله، إن كانوا يستطيعون عمل شىء نافع مفيد.

وإنى لأعلن إننى منذ اليوم سأعتبر أى حادث من هذه الحوادث يقع من أى فرد سبق له اتصال بجماعة الإخوان موجهاً إلى شخصى، ولا يسعنى إزاءه إلا أن أقدم نفسى للقصاص، وأطلب إلى جهات الاختصاص تجريدى من جنسيتى المصرية، التى لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء، فليتدبر ذلك من يسمعون ويطيعون، وسيكشف التحقيق ولا شك عن الأصيل والدخيل، ولله عاقبة الأمور».

«حسن البنا»

فهل يصدق القارئ دموع البنا التى سكبها بين يدى محمد الليثى آملاً أن يقوم بنقلها للمسؤولين، وهل يصدق القارئ هذا البيان الأخير ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين، وهل يصدق أحدكم دموعاً وبيانات سوف تصدر فى أيامنا هذه. إن صدق أحد تلك التمثيليات الدرامية المغلفة بدهاء مكشوف وأسف معلوم أنه غير صادق فإننى أهديه الأسطر التالية لثمة اعتراف خطير أورده أحد قادة الإخوان «صلاح شادى – حصاد العمر – صـ 138» يكاد يجزم فيه بأن حسن البنا كان ورغم ما أصدره من بكائيات هو نفسه وشخصياً من أصدر قرار نسف المحكمة لتدمير الأدلة ضد الإخوان المقبوض عليهم، ويقول إن سيد فايز هو من أمر بالعملية، وإنه يثق تماماً ودون أدنى شك فى أن سيد فايز لا يفعل شيئاً إلا بأمر المرشد، والباقى معلوم بالطبع.

وعلى أى حال فقد كان الشيخ الذى أصبح فى قفص حريته يعانى أكثر من رجاله فى السجن، ويتعرض لضغوط مريرة وعنيفة، فهناك آلاف الأسر بلا عائل، وإخوانه فى السجن يعذبون تعذيباً وحشياً، وهو بلا حول ولا طول.

وبيانه الأول أثار استياء أعضاء الجماعة بالسجون، ويقال إنهم وجهوا له رسالة يقولون فيها إنهم يعتقدون أن البيان مدسوس، فإن كان صحيحاً فإن يوم الحساب آت بعد الإفراج عنا.

وماذا يبقى من الشيخ الذى وجد نفسه بين فكى كسارة البندق سجين ضغوط خصومه، وضغوط رجاله، لكنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً.

رجاله فى السجون يبعثون له يهددونه، وهو يتهم أخلص خلصائه، الذين أقسموا له على المصحف والمسدس يمين الطاعة التامة فى المنشط والمكره.. يتهم «رهبان الليل وفرسان النهار» بأنهم «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين» حتى ولو كان هذا نوعاً من المراوغة والتحايل.

بل هو يتردى فى مديح الحكومة التى تعذب رجاله أشد العذاب، ويقول «إنها حريصة على أمن الشعب وطمأنينته» «وفى ظل جلالة الملك المعظم»، بل يحرض الشعب على التعاون مع الحكومة «للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة».

«رهبان الليل وفرسان النهار» أصبحوا فى آخر بيان للشيخ «أولئك البعض من العابثين» وجهادهم أصبح «سفاسف».

ولا يبقى للشيخ ما يقوله سوى أنه سيطلب تجريده من جنسيته المصرية، التى لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء.

وكان الوحيد من أصدقاء الماضى، الذى يقبل أن يستقبله فى مكتبه الأستاذ «فتحى رضوان»، فقد طلب المرشد المهيض الجناح أن يعتزل فى عزبة الشيخ عبدالله النبراوى بقليوب فاعتقل البوليس الشيخ النبراوى، وقد تجاوز الثمانين من عمره، ثم طلب السفر إلى أسوان ليقيم عند صالح باشا حرب فرفض الأمن طلبه فسأل الأستاذ فتحى رضوان ماذا يفعل؟ وينقل الأستاذ محسن محمد الحوار:

– البنا: ماذا أفعل؟

– رضوان: يا سيدى أرجو أن تصدقنى إذا قلت لك إن الحكومة والملك لا يطيقان مجرد وجودك ووجود جماعتك فى الدنيا.

– البنا: إذن ماذا أفعل؟ هل أسلم بالأمر الواقع وأرتضيه؟ ليتهم يعتقلوننى ويريحوننى.

– رضوان: أرى رأى العين ما يدبر لك فهم ينتظرون أن تتاح لهم فرصة اقتناصك.

– البنا: وبماذا تنصحنى؟

– رضوان: لا تترك منزلك أو أى مكان يمكنك أن تأوى إليه فلا تخرج منه أبداً حتى يقضى الله أمراً كان مفعولا، وقد يتبدل الحال.

– البنا: وهل ينجى هذا الحذر من القدر؟

– رضوان: مطلقاً.

– البنا: وما الفائدة إذن؟

– رضوان: الفائدة ألا تشغل نفسك بما لا نفع فيه، ولا جدوى منه، ولا تسمع لرسل السلطة الذين يعبثون بك.

لكن المرشد المسكين لم يزل يلح، ويكتب إلى رئيس الوزراء راجياً أن يسمح لمصطفى مرعى بمقابلته لعلهما يجدان حلاً، ولا يرد رئيس الوزراء. الشيخ المناور القادر على أن يتلاعب بالجميع انتهى ليتلاعب به الصغار، وهو مستسلم مهيض الجناح، كسير النفس.

ثم كانت النهاية:

قرر القتلة أن يطلقوا الرصاص على جثته.

سحبوا الحراسة المحيطة به، واستدرجوه إلى جلسة مفاوضات أخرى أو أخيرة، وأطلقوا عليه الرصاص.

ويبقى معلقاً للبحث الدقيق التاريخ الحقيقى لوفاة الإمام الشهيد المرشد العام الشيخ «حسن أحمد عبدالرحمن البنا الساعاتى».

هل هو يوم 12 فبراير (1949) كما هو مثبت فى شهادة الوفاة؟

أم هو يوم إصدار الشيخ بيانه «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»؟

أم هو يوم إصدار «بيان للناس»؟

أم قبل ذلك بكثير، يوم سمح لنفسه أن يدخل ميدان السياسة من باب الموالاة للقصر ومخاصمة الشعب؟

وقد أثبت التحقيق أن المدبر الأساسى لمقتل الشيخ حسن البنا كان الملك فاروق.

وأكد الإخوان أنفسهم أكثر من مرة أن الشيخ قد اغتيل فى 12 فبراير 1949 الموافق 14 ربيع ثانى سنة 1368 هجرية يوم عيد ميلاد الملك السابق فاروق أحمد فؤاد، فكان اغتياله هدية ميلاد لملك جلب الدمار لشعبه.

بل لقد وصل الأمر بالجماعة إلى أنها طلبت رسمياً من المحكمة التى عقدت فى أعقاب ثورة يوليو لمحاكمة قتلة الشيخ حسن البنا، تقديم متهمين جدد على رأسهم الملك فاروق، وذلك باعتباره محرضاً وفاعلاً أصلياً.

ولأن القاتل الحقيقى كان فاروق.. فإن الباحث لا يستطيع أن يكتم دهشته، بل ما هو أكثر من الدهشة أو الاحتقار، إذ يجد فى سجل تشريفات قصر عابدين يوم 14 نوفمبر 1951 أسماء عديد من قادة الإخوان أتوا إلى أبواب قصر الملك ليعربوا لقاتل شيخهم وإمامهم ووسيلتهم إلى الله سبحانه وتعالى ومؤسس جماعتهم حسن البنا، ربما عن ولائهم، وربما عن نسيانهم دم شهيدهم، والتوقيعات ذات دلالة.

– خليفة الشيخ البنا.. المرشد الجديد المستشار حسن إسماعيل الهضيبى.

– أقارب الشيخ البنا.. شقيقه عبدالرحمن البنا، عضو مكتب الإرشاد العام.

– وصهره عبدالحكيم عابدين، سكرتير عام الجماعة.

– وأقرب المقربين إليه من رجاله:

– صالح عشماوى

– عبدالقادر عودة

– حسين كمال الدين

– محمد الغزالى

– عبدالعزيز كامل

– وكلهم أعضاء فى مكتب الإرشاد العام

– وحتى السكرتير الخاص للإمام الشهيد وكاتم أسراره ورفيق رحلته الطويلة سعد الدين الوليلى أتوا به معه ليوقع هو أيضاً معرباً عن ولائه للملك فاروق.

وطوال رحلتنا مع هذه الدراسة تراكمت علامات استفهام وعلامات تعجب كثيرة، وتكون علامة التعجب الأخيرة مثاراً لما هو أكثر من الدهشة، ومثاراً للتساؤل حول مدى وفاء هؤلاء الموقعين لذكرى شيخهم وإمامهم ومرشدهم وشهيدهم، وحول مدى صدق ما ظلوا وحتى الآن يصيغونه من تراتيل الوفاء لشيخ ذبحوا ذكراه على أعتاب قصر قاتله!

أرجو من القارئ أن ينتظر مواقف مماثلة من قيادات الجماعة أو الجمعية أو الحرية والعدالة دون أن يدهش ولو بأقل قدر فهم لا ينجحون. دوماً لا ينجحون ويعتبرون ذلك الانبطاح الكاذب جزءا من خداع الطاغوت حتى يتمكن منه فيقتله.

كان ذلك فى المحنة الأولى، التى استمرت من 1954 وحتى 1972، وبعدها استفاقت الجماعة على يدى عملية إنعاش قام بها السادات. فالسادات غير عبدالناصر، وقد وجد فى الجماعة منقذا ذلك من ضغوط القوى اليسارية والناصرية، وعادت الجماعة إلى غرفة الإنعاش بعد ثمانية عشر عاماً من الكمون. ولكن هذه المحنة الأخيرة التى اكتسح فيها الشعب حكم الإخوان فى 30 يونيو 2013 سوف تتطلب وقتاً أطول كى يستطيع الإخوان التقاط أنفاسهم، فالذى أسقطهم وأدانهم هو الشعب وليس الحاكم وحده، وهذا يتطلب فى اعتقادنا زمناً أطول.. فقد ذاقت الجماهير مرارة حكم الإخوان، ولا بد لنا أن ندرك ذكاء الشعب، الذى لم يقل يسقط مرسى، وإنما هتف يسقط حكم المرشد، يسقط حكم الإخوان، ولا شك أن سقوط الجماعة الحاكمة فى مصر سينعكس قطعاً على كل الأنظمة المتأسلمة فى المنطقة كتركيا وتونس والسودان، وسيحتاج الأمر زمناً ليس بالقصير، كى يعاود المتأسلمون امتلاك القدرة على التأسلم المعلن فى ساحة العمل السياسى.

وما يهمنا قبل أن نختتم هذه الكتابة هو أن الجماعة ظلت أبداً فى قفص التعليمات والعبارات والنصوص، التى ألصقها حسن البنا بتاريخها منذ البداية وحتى الآن. الممارسات ذاتها العنف ذاته والأكاذيب ذاتها. والجهاز السرى الإرهابى ذاته، والمبدأان الحاكمان ذاتهما.. «لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت» و«هذا المنهاج كله من الإسلام» تتمسك بهما الجماعة فتسقط وتنهض لتتمسك بهما رغم أن هذا التمسك كان السبب فى الكبوة فتسقط.. وسقطة هذه المرة سيطول أمرها، أو هذا ما أعتقد.

جماعة الإخوان.. مسيرة الصعود هبوطاً الحلقة الثانية


عندما تحدث «البنا» عن الوطن

ولعل من حقى أن أسأل القارئ هل تستطيع الإمساك بالزئبق؟ إن استطعت فسوف تستطيع أن تمسك بالموقف الحقيقى للجماعة من أى قضية تهم

picture_4

رفعت السعيد

الوطن، وتهمك شخصيا. القول ونقيضه وهما معا يبقيان لتستخدمهما الجماعة عند الحاجة.

هكذا كان الأمر منذ البداية.. وهكذا حتى عهد مرسى.. وحتى اليوم

لكن البنا مع ذلك لا يقدم أى برنامج سياسى كامل لبلد يخوض معركة تحرر من الاستعمار، بل لعله قد تهرب كثيراً من تحديد أى موقف سياسى واضح من أى قضية قومية أو وطنية أو اجتماعية، وإذا ما سئل كأى زعيم سياسى عن برنامجه أجاب: «نحن مسلمون وكفى، ومنهاجنا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى، وعقيدتنا مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وكفى»، ثم هو لا يزيد الأمر تفصيلاً، فإذا أبدى البعض شكوكه حول إمكانية العمل السياسى دون برنامج سياسى وطنى متكامل اتهمه الشيخ بأنه «مريض القلب، سيئ الظن، فهو يطعن ويتجنى ويتلمس للبراءة العيب، وكلا الأمرين وبال على صاحبه وهلاك للمتصف به».

غير أن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ لا يمكن لرئيس جماعة سياسية أن يقتحم ميدان العمل السياسى معلناً أن الإسلام «طاعة وحكم ومصحف وسيف» دون أن يدفع الجميع إلى التساؤل حول من الذى سيستعمل السيف؟ وضد من؟ ولعل التساؤلات بدت فى محلها تماماً عندما استخدم السيف بالفعل أسلوباً فى تعاملات الجماعة مع خصومها.

وإذا أردنا مثالا آخر للتلاعب بالألفاظ والمواقف ومراكمة مناقضاتها جنباً إلى جنب كى يُستخدم أى منها عند الضرورة نقرأ للأستاذ البنا فى «نحو النور». «لابد من جديد فى هذه الأمة، هذا الجديد هو تغيير النظم المرقعة المهلهلة، التى لم تجن منها الأمة غير الانشقاق والفرقة، وهو تعديل الدستور المصرى تعديلاً جوهرياً بحيث توحد فيه السلطات».

وفى رسالة المؤتمر الخامس يقول البنا: «إن من نصوص الدستور المصرى ما يراه الإخوان المسلمون مبهماً وغامضاً ويدع مجالاً واسعاً للتأويل والتفسير، الذى تمليه الغايات والأهواء، فهى فى حاجة إلى وضوح وإلى جديد وبيان.. هذه واحدة، والثانية هى أن طريقة التنفيذ التى يطبق بها الدستور أثبتت التجارب فشلها، وجنت منها الأمة الأضرار لا المنافع، فهى فى حاجة شديدة إلى تحديد، وإلى تعديل يحقق المقصود ويفى بالغاية، ولا بد أن تكون فينا الشجاعة الكافية لمواجهة الأخطاء، والعمل على تعديلها، أما الأمثلة التفصيلية والأدلة الوافية، ووصف طرائق العلاج والإصلاح ففى رسالة خاصة إن شاء الله».

لكن البنا سرعان ما يتراجع بعد أن تلقى تأنيباً وتحذيراً ممن كان يخشاهم، ويخشى أى تصادم معهم أى من رجال القصر الملكى، ومن ثم يعود متراجعاً «إن الدستور بروحه وأهدافه العامة لا يتناقض مع القرآن من حيث الشورى، وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات، وإن ما يحتاج إلى تعديل منه يمكن أن يعدل بالطريقة، التى رسمها الدستور ذاته».

بل هو يواصل تراجعه إلى درجة تثير الدهشة «ما كان لجماعة الإخوان المسلمين أن تنكر الاحترام الواجب للدستور باعتباره نظام الحكم المقرر فى مصر، ولا أن تحاول الطعن فيه، أو إثارة الناس ضده، وحضهم على كراهيته، ما كان لها أن تفعل ذلك، وهى جماعة مؤمنة مخلصة تعلم أن إهاجة العامة ثورة، وأن الثورة فتنة، وأن الفتنة فى النار».

لماذا كل هذه القعقعة إذن؟ ولماذا الحديث عن الجهاد وعن النظام الإسلامى، وعن التغيير الجذرى، إذا كان النظام القائم سواء فى عهد جلالة الملك فاروق (صديق الإخوان)، أو فى عهد جمال عبدالناصر (عدوهم) مقبولاً من جانبهم، ولا ينكرون «الاحترام الواجب له، باعتباره نظام الحكم المقرر».

فقد تحسب البنا من التصادم المفتوح مع السلطة، وخشى من الثورة، التى قد تنقلب ضده، فأوقع نفسه بين شقى الرحى، يريد ولا يريد، يطالب بنظام إسلامى وبالجهاد بحد السيف من أجل تحقيقه، ثم يقبل بما هو قائم، ولا يحاول الطعن فيه، أو إثارة الناس ضده.

لكننا نخطئ إذا تصورنا أن البنا كان سياسياً يتلاعب بالموقف ونقيضه وفقط، فقد قدم متسللاً ودون أن يلقى ضوءاً كثيفا على الكلمات، محدداً بدائل لكل شىء. صحيح أنه يقولها عابراً ودون ضجيج، لكنه يعنيها فى حقيقة الأمر.

ففى مقابل دستور 23 قال القرآن دستورنا.

وفى مقابل الزعامة المهيبة لمصطفى النحاس، أو حتى سلطة الملك فاروق قال الرسول زعيمنا.

وفى مواجهة الوطن والسعى لاستقلاله كأرض لأبنائه المصريين رفع شعار الخلافة الإسلامية، وبدلاً من مصر وطنه، ومن مواطنيه المصريين يتحدث عن الوطن الإسلامى قائلاً «إنه يسمو عن الحدود الجغرافية والوطنية وعلاقات الدم إلى وطنية المبادئ الإسلامية».

وفى مقابل النضال المشترك مع الشعوب العربية الشقيقة، والتعايش السلمى مع من لا يبدأ بالعدوان علينا قال «إن الدور عليكم فى قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وتلك الأيام نداولها بين الناس».

وفى مواجهة تصاعد النضال الاجتماعى والطبقى فى مصر خلال بداية الأربعينيات، وتصاعد حدة الإضرابات العمالية يقول البنا «أما موقف الإسلام من الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال فليس بيننا، وبينهم إلا أداء الزكاة»، ويقول «إن الله يحب الغنى الشاكر، ولا يحب الفقير الناكر».

وكان ذلك كله حديثاً عن المسار الأول، الذى رسمه البنا لجماعته، وهو تراكم المواقف المتناقضة دون التخلص من أى منها، أما المسار الثانى فيمكن تلخيصه فى عبارة موجزة هى «لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت»، والطاغوت لغة هو الشيطان أو الحاكم المتجبر، وعند الإخوان هو الآخر أى آخر حتى ولو كان حليفاً أو رفيق درب.

فقد رسم حسن البنا مساراً جديداً فى السياسة المصرية، وهو التحالف مع أى شخص أو جماعة أو دولة مهما كانت حدة العداء معها، هذا إذا ما حقق ذلك التحالف أو التقارب أو الولاء مصلحة مباشرة له.

وإذ يتردد البعض من رجاله إزاء مثل هذا التحالف، وإزاء نتائجه، التى قد تنقلب عليهم، فإنه يطمئنهم بأن الله معهم وسوف يحميهم من تآمر الطاغوت، مردداً «وكان حقاً علينا نصر المؤمنين»، لكن التجارب المتوالية أثبتت أن هذه اللعبة غير الأخلاقية لا تلبث فى كل مرة أن تنقلب وبالاً على الجماعة، ذلك أنه فى كل الحالات خرجت الجماعة من هذه اللعبة مثخنة بالجراح، قد يطفو فى الأفق فى البداية بعض نجاح غير أن النتيجة النهائية لكل مباريات أو محاولات اللعب مع الطاغوت، والتلاعب به كانت الهزيمة أو ما تسميه أدبيات الجماعة المحنة. فالله لا ينصر المراوغين والمتلاعبين، الذين يقفون من أجل مصلحة ذاتية مع الأعداء، سواء أعداء فكرتهم أو أعداء الوطن محليين كانوا أو أجانب.

وعلى أى حال يمكننا أن نقدم بعضاً من لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت.

فعلى مدى الفترة من 1936 إلى 1948 تحالف البنا مع رجال القصر الملكى، ثم انقلب عليهم ومع الوفد، ثم انقلب عليه، ومع إسماعيل صدقى ثم انقلب عليه، ومع حزبى الأقلية السعديين والأحرار الدستوريين، ثم انقلب عليهما، وكان قتل النقراشى، ومحاولة قتل إبراهيم عبدالهادى.

كما فعلوا بذات النهج الملتوى بعد ذلك ففى 1952 تحالفوا مع عبدالناصر، وفى 1954 حاولوا اغتياله، ثم حاولوا اغتياله مرة أخرى فى 1956. وتحالفوا مع السادات وتواطأوا عليه، وتهادنوا مع مبارك وانقلبوا عليه، ثم المشير وفعلوها معه. إنها سياسة ثابتة لا تتغير ولا تثمر إلا ثماراً مريرة، لكنهم لا يتعلمون فهكذا أمرهم البنا، وهم بأوامره إلى الأبد ملتزمون، وفى أيام مرسى تحالفوا مع أمريكا، ثم هم يهاجمونها الآن.

ولن نستهلك مساحة كبيرة من الكتابة عن لعبة المصالح المشتركة بين البنا والقصر الملكى، الذى كان يمثل الطاغوت المعادى للشعب، وتلخصت فيه كل مقومات العداء للوطن، والخضوع للاحتلال، وخدمة كبار الملاك على حساب جماهير الشعب، ذلك أن علاقة البنا بالقصر، وإصراره على العمل فى خدمته أصبحت محلاً لكتابات كثيرة بحيث لا تحتاج إلى بحث جديد، وهو على أى حال ظل حريصاً على تأكيده مبايعة الملك بحيث دفع المتظاهرين من أعضاء الجماعة، الذين كان يجرى حشدهم كلما احتاج القصر إلى دعم فى مواجهة جماهير الوفد تحت الزعامة المهيبة للنحاس، ليتجهوا إلى ساحة قصر عابدين (مقر الملك) هاتفين «الله مع الملك»، مؤكدين «نهبك بيعتنا على كتاب الله وسنة رسوله».

لكن لعبة المصالح المشتركة مع القصر انتهت نهاية مأساوية – فرغم عمل متواصل فى خدمة القصر الملكى منذ عام 1930 وحتى 1948، تحولت الصداقة إلى عداء مشتعل انتهى بحل الجماعة، ومقتل البنا نفسه، لكن ثمة وجها آخر لهذه اللعبة هو العلاقات بالقوى الاستعمارية.

ولنبدأ بأكثر القصص إثارة، وهى علاقة حسن البنا بالقوى الفاشية والنازية إبان الحرب العالمية الثانية، ولأن كل شىء عند حسن البنا يجب أن يكتسى برداء إسلامى حتى يمكن للجماهير البسيطة أن تبلعه، فإن تقلبات المواقف السياسية، ومناوراتها كانت تكتسى هى أيضاً برداء الإسلام، وحتى العلاقات المريبة بأعداء الوطن كانت كذلك.

وفى مجلة «النذير» قبل أن تخرج بعيداً عن يديه زف حسن البنا لقرائه ما يبرر علاقته بالنازيين والفاشيست قائلاً: «ذكرت بعض الصحف أن إيطاليا وألمانيا تفكران فى اعتناق الإسلام، وقررت إيطاليا تدريس اللغة العربية فى مدارسها الثانوية بصفة رسمية وإجبارية، ومن قبل سمعنا تفكير اليابان فى الإسلام، وقد تجددت هذه الشائعة فى هذه الأيام، ولا شك أن هذه الدول الثلاث قد وضعت فى برنامجها التقرب التام إلى العالم الإسلامى، والتودد إلى العرب والمسلمين، وقدمت لذلك مقدمات كبناء المساجد ودعوة الشباب العربى إلى المدن والعواصم عندهم، ثم «وهذا استعداد طيب تعلنه هذه الدول، إذا أضفنا إليه موقف الدول المسيحية منها من الكنيسة، وخروجها على تعاليمها، وموقف اليابان من ديانتها الوثنية وتبرمها من طقوسها، وأضفنا إلى ذلك كله أن هذه الدول إنما تعجبها القوة والكرامة والفتوة والسيادة، وأن هذه هى شعائر الإسلام»، ولسنا بحاجة إلى القول بأن كل هذه المعلومات كاذبة تماماً، ولا أصل لها، وبعد سلسلة الأكاذيب هذه نجد البنا يضيف وكأنما ينسب هذا الفضل الوهمى إلى نفسه «لقد كتب الإخوان المسلمون إلى ملوك المسلمين وأمرائهم وعلمائهم وحكامهم بوجوب التبليغ رسمياً إلى هذه الأمم باسم الإسلام».

ولمزيد من حبك هذه الأكذوبة يكتب الأستاذ البنا – وفى العدد ذاته – رسالة إلى شيخ الجامع الأزهر يدعوه فيها إلى تبليغ ألمانيا وإيطاليا واليابان بالإسلام، وضرورة قيامهم بدراسة تعاليم الإسلام دراسة علمية صحيحة، مع إمدادهم بالعلماء لشرح مفهوم الإسلام، وأن تمنح الجماعة حق التبشير بالإسلام، وحق إقامة المؤسسات الإسلامية، ثم كانت الشائعة التى تناثرت فى كل أرجاء مصر عن انتماء هتلر نفسه للإسلام، وأنه تسمى سراً باسم «الحاج محمد هتلر».

وهذه الأكذوبة التى تفوق كل ما يمكن أن يتصوره عاقل يمكن اتخاذها نموذجاً للمدى، الذى يمكن أن تصل إليه عملية تسييس الدين، أو طلاء المواقف السياسية الخاطئة، بل المعادية لمصالح الوطن والدين بطلاء دينى زائف، كى تكتسى الخيانة ببريق دينى.

ففيم كان ذلك كله؟ تناثرت شائعات بأن البنا لم يعد يكتفى بالعلاقة مع المقربين من ألمانيا من رجال السياسة المصرية من أمثال على ماهر وعزيز المصرى، وإنما أقام بنفسه ولنفسه جسوراً مع الألمان أمدته بدعم مالى كبير يمكنه أن يفسر الإمكانات المالية، التى انهالت فجأة على البنا، والتى كان يغطيها بالدعوة لفتح باب التبرع، ثم يعلن بعدها بأيام قليلة أن التبرعات فاضت عن المطلوب، وقد فعلها الأستاذ البنا مرات عديدة منها الدعوة لجمع 8500 جنيه لشراء مقر للجماعة، ثم وبعدها بيومين أعلن أن المبلغ المطلوب قد تمت تغطيته.

وتتحول الشائعات إلى تقارير رسمية ففى لقاء بين السير والتر سمارت، المستشار الشرقى للسفارة البريطانية، مع وكيل وزارة الداخلية المصرية، حسن باشا رفعت، صرح وكيل وزارة الداخلية بأن معلوماته تقول إن الأستاذ البنا تلقى إعانات مالية من الإيطاليين والألمان والقصر، وفى زيارة أخرى يكرر محمود غزالى، مدير الأمن العام، الاتهام ذاته، وإن كان قد أضاف إليه أن الأستاذ البنا قد احتفظ ببعض هذه الأموال لنفسه شخصيا.

وتظل هذه الاتهامات معلقة بلا دليل جدى، ونظل نحن معتقدين أنها مجرد ادعاءات أو شائعات سياسية يطلقها الأمن ليبرر بها مواقف ما، ضد خصم سياسى.

حتى أتيح لنا أن نمتلك وثائق رسمية تؤكد صحة هذه الاتهامات.

فأخيراً وبالمصادفة، وخلال البحث فى الأرشيف العام للخارجية البريطانية عثرت على برقيتين من السفير البريطانى إلى وزارة خارجية تحتويان على ترجمة إنجليزية لبعض أوراق مكتوبة بالألمانية ضبطت لدى «ولهلم ستلبوجن» ونقرأ.

مكتب الأمن العسكرى – مصر

f.o 371-23342

22-10-1939

Herr Wilhelm Stellbogen

الهير ولهلم ستلبوجن، مدير مكتب الدعاية النازية (D.N.B) بمصر، بالإضافة إلى توليه مسؤولية الملحق الصحفى بالبعثة الألمانية بمصر بشكل مؤقت، وهو لا يتمتع بأى صفة دبلوماسية.

عثر عنده لدى تفتيشه على مذكرة مكتوبة بالاختزال ومؤرخة فى 18 أغسطس، وتقول: «لقد أرسلت إلى حسن البنا مرة أخرى المبلغ ذاته بالطريقة نفسها»، لكن الإخوان المسلمين طلبوا مزيداً من المال، رغم أننى سلمتهم مبلغ الألفى جنيه، الذى وصل باسمهم من ألمانيا، والذى وعدناهم به».

ثم ترجمة لورقة أخرى مكتوبة بالآلة الكاتبة الألمانية مؤرخة 16 /8 تقول:

إن دفعة جديدة من الأموال لجماعة الإخوان المسلمين قد أصبحت فى اعتقادى ضرورية جداً. لا بد من الاتصال ببرلين فوراً عن طريق البعثة لطلب ميزانية إضافية. إن المحادثة التى جرت مع ح.ب (حسن البنا) حول المسألة «ب» كانت مرضية تماماً، وقد أعرب عن كامل رضائه عنها.

أما البرقية الثانية فتتضمن ترجمة عن الألمانية لأوراق أخرى ضبطت لدى الشخص ذاته، وفيها:

مكتب الأمن العسكرى – مصر

f.o 371-23343

عثر لدى المذكور على المذكرات التالية:

لقد أكد مؤتمر الإخوان المسلمين أن الوضع الراهن سيئ للغاية، وأعلنوا باسم العرب أن القتال فى فلسطين هو حرب مقدسة، وأن واجب كل مصرى هو مساعدة المقاتلين هناك.

قرر المؤتمر البدء فى حملة تبرعات لدعم القتال فى فلسطين.

وأيضاً «مذكرة بالاختزال تقول: أرسلت البعثة مرة أخرى لحسن البنا المبلغ ذاته بالطريقة نفسها، هؤلاء الناس يمكنهم فعل أشياء كثيرة».

ومثل هذه الوثائق لا تحتاج إلى أى تعليق.

ويكون طبيعياً أن يستشعر الإنجليز الخطر من علاقة كهذه، وما إن تمكنوا من الإطاحة بحكومة على ماهر باشا، صديق الألمان، وصديق حسن البنا حتى بدأوا فى الضغط على رئيس الوزراء الجديد «حسين سرى باشا»، لاتخاذ إجراء ضد حسن البنا، ويروى د. محمد حسين هيكل، وكان آنذاك وزيراً للمعارف فى مذكراته «أبلغت السلطات البريطانية حسين سرى باشا بأن حسن البنا يعمل لحساب المحور، ورأت ضرورة الحد من نشاطه، ورأى سرى باشا أن ينقل الرجل من القاهرة إلى الصعيد، فحدثنى فى هذا الأمر طالباً نقله إلى قنا، ولم أجد بأساً من إجابة طلبه»، لكن أمر النقل ما لبث أن ألغى فوراً بأمر من القصر الملكى.

غير أن السلطة البريطانية عادت فطلبت القبض على حسن البنا هو وأحمد السكرى، وعبد الحكيم عابدين وعدد آخر من الإخوان، وبالفعل ألقى القبض عليهم فى 19 أكتوبر 1941.

ويروى شاهد عيان وهو الأستاذ «أحمد حسين»، زعيم «مصر الفتاة»، وكان معتقلاً معهم فى معتقل الزيتون «اعتقل حسن البنا وقادة الإخوان فى مستهل الحرب كغيرهم، فما راع المعتقلين إلا أن حضر إلى المعتقل الأستاذ حامد جودة (الوزير السعدى فى حكومة حسين سرى باشا)، واجتمع بحسن البنا عدة ساعات، ثم ما لبث أن أفرج عنه بعد بضعة أيام»، ويفسر أحمد حسين ذلك بأنه تعبير عن رغبة حزب السعديين فى استغلال حركة الإخوان لدعم نفوذه، ويقول «وخرج الشيخ من المعتقل، وقد ازداد جاهاً ونفوذاً، ومضى فى دعوته حراً طليقاً يجوب البلاد، ويؤلب الشعب وينظم الاجتماعات، واشتهر فى البلاد بأن الإخوان المسلمين فى حماية الحكومة، وفى حماية السعديين بصفة خاصة

لكن جورج كيرك يقول «إن الإفراج عن حسن البنا قد تم بضغط من القصر، الذى ساد الاعتقاد أنه يقدم للبنا مساعدات مالية شخصية، ويعزز هذا الرأى الأستاذ محمد صبيح، أحد قادة (مصر الفتاة)، الذى قال فى مناقشة مع د. عبدالعظيم رمضان إن فاروق قد حمى حسن البنا، وضغط للإفراج عنه».

وفى كل الأحوال كان البنا يتحاشى الحديث عن الموقف من الاستعمار وقضايا الجلاء، وتحرير البلاد، ويمضى مراوغاً دون تصادم مع الاحتلال فينشر فى «نحو النور» ما يمكن القول إنه برنامج مباشر، فيركز فيه على «القضاء على الحزبية، وتوجيه قوى الأمة السياسية فى وجهة واحدة، وتقوية الروابط بين الأقطار الإسلامية، خاصة العربية منها، تمهيداً للتفكير الجدى والعملى فى شأن الخلافة الضائعة، وكذلك إعادة النظر فى مناهج تعليم البنات، ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الصبيان فى كثير من مراحل التعليم» وهكذا أشياء كثيرة فى نواح متعددة، لكن لا حرف واحدا عن الاستعمار أو ضد الاحتلال.

وعلى أى حال فبعد هزيمة دول المحور ما لبث البنا أن تحول وبسرعة، وأخذ ينسج علاقات أخرى مع قوى أخرى غير ألمانيا، وهى تحديداً النقيض، أى الاحتلال البريطانى، ونقرأ فى بحث عن جماعة الإخوان، أعده Heyworth dunne استناداً إلى ما سماه مصدرا إخوانيا كان على علاقة بالسفارة البريطانية «إن حسن البنا قد ألمح خلال الاتصالات مع السفارة، ومن خلال عناصر وسيطة إلى أنه على استعداد للتعاون، وأنه سيكون سعيداً لو أن مساعدة مالية قدمت إليه»، ويلاحظ باحث آخر أن البنا قد تسحب من علاقته مع الألمان فى الوقت المناسب، «ولم يسمح لرجاله بأن يشاركوا فى المظاهرات، التى هتفت عام 1942 إلى الأمام يا روميل».

وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة يلتقى الأستاذ البنا بمستر «سبنسر»، المراسل الحربى الأمريكى، ويدلى له بحديث نشرته مجلة الإخوان المسلمين، وفيه أبدى البنا استعداده للتحالف العسكرى مع الغرب، وقال «أحب أن يفهم الغربيون أنه إذا أعطيت الحريات لنا بواسطة الدول الغربية فإننا لا نستغنى عن الغرب فى تقوية كياننا»، ونقرأ أيضاً:

«وعبر قنوات عديدة تقارب البنا مع الإنجليز، ومن هذه القنوات الأمير محمد على، ولى العهد، الذى ظل على الدوام، ورغم تقلبات الملك فاروق مقيماً على عهد الولاء للإنجليز، وكتعبير عن صداقة جديدة أهدى ولى العهد مكتبة إسلامية ضخمة للمركز العام للإخوان المسلمين فى الحلمية الجديدة».

ونتوقف فقط لنتأمل، فحسن البنا الذى ظل على مدى طويل على علاقة وثيقة جداً بالملك فاروق كان أيضاً على علاقة حميمة مع خصمه الدائم واللدود الأمير محمد على.

ثم بدأ البنا فى تقديم خدمات فعلية للإنجليز، ولتقديم البرهان على قدرته على تقديم تلك الخدمات على مستوى جماهيرى اتفق البنا مع وزارة الداخلية على تحجيم المظاهرات، التى كان مقرراً أن تندلع يوم 2 نوفمبر 1945 بمناسبة ذكرى وعد بلفور، وقام البنا بنفسه بنصح المتظاهرين بالانصراف والتفرق، وبهذه المناسبة يكتب «والتر سمارت»، المستشار الشرفى للسفارة، إن جماعة الإخوان قد أفشلت المظاهرة بين صفوف الطلاب، واعتبر الوفد هذا الموقف نوعاً من الخيانة، وعلى أى حال فإن حكومة النقراشى تبدو كما لو أنها قد نجحت فى استمالة الإخوان، علماً بأن سياسة الإخوان تتحاشى وقوع أى صدام مع الحكومات المتعاقبة، بينما يدعمون هم مواقعهم، ثم يقول «وعلى نحو مشابه نجدهم يحاولون استمالتنا خوفاً من أن نقوم بالتحريض على أى عمل ضدهم».

كذلك فقد تحالف الإخوان حلفاً وثيقاً مع إسماعيل صدقى، الذى كان حليفاً وثيق الصلة بالإنجليز، بل تعاونوا معه فى ترويج معاهدة صدقى – بيقن ودون أدنى حرج يقف القائد الطلابى للإخوان «مصطفى مؤمن» معلناً تأييده إسماعيل صدقى مستخدماً الآية الكريمة «واذكر فى الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبياً».

وترويجاً لمعاهدة صدقى – بيقن، التى رفضها الشعب المصرى رفضاً كاملاً وأسقطها وأسقط صاحبها تحدث الإخوان طويلاً فى تبريرها مستندين إلى «صلح الحديبية».

ويروى الأستاذ صلاح الشاهد، وكان أحد العاملين فى القصر الملكى فى مذكراته «عندما توصل صدقى باشا إلى اتفاقية مشروع صدقى – بيقن توهم أن الإخوان المسلمين يمثلون قاعدة شعبية ذات وزن فاستدعى المرشد العام بعد وصوله من لندن بساعتين، وأطلعه على مشروع الاتفاقية قبل أن يطلع عليها النقراشى وهيكل، المشاركان له فى الحكم، وحصل على موافقته على المشروع، ولما اشتدت المظاهرات الشعبية ضد هذه المعاهدة طلب صدقى باشا من المرشد العام أن يركب سيارة سليم زكى – مساعد حكمدار القاهرة – المكشوفة ليعمل على تهدئة المظاهرات. واستجاب المرشد العام لطلب صدقى باشا، ودهش المصريون إذ شاهدوا صورة البنا تملأ صحف اليوم التالى، وهو يركب سيارة سليم زكى محاولاً تهدئة المظاهرات، وتبقى هناك مفارقات بالغة الأهمية، وبالغة الدلالة، فالمناورة تستدعى مزيداً من المناورة، بل قد تستدعى المناورة المضادة.

فما إن اختلف البنا مع إسماعيل صدقى حتى حرك جهازه السرى لنسف أغلب أقسام الشرطة، وترويع العاصمة، بهدف ترويع صدقى باشا «نلاحظ أنه التكتيك ذاته، الذى يتبعونه الآن بحرق أقسام الشرطة، وترويع أصدقاء الأمس ونسف السيارات…إلخ»، كما حرك جهازه السرى لنسف سيارتى شريكى صدقى فى الوزارة هيكل باشا والنقراشى، أما المفارقة الأخرى وبالغة الدلالة فهى أن السيارة التى ركبها البنا صحبة سليم زكى خدمة لأهداف الأمن والإنجليز فى تهدئة المظاهرات هى ذاتها التى تلقت قنبلة حارقة من أحد طلاب الإخوان لتحرق السيارة وتقتل سليم زكى.

وعلى أى حال فإن شهر العسل الإخوانى – الإنجليزى لم يكن بلا معنى فكرى ومغزى سياسى، فالمؤرخ الأكثر تأييداً لجماعة الإخوان «د.إسحق موسى الحسينى» يقول مبرراً هذه العلاقة الإخوانية بالإنجليز «إن تحرير وادى النيل كله من النفوذ الأجنبى كان مطلباً يلى فى الأهمية لدى الإخوان مطلب إقامة الحكومة الإسلامية، وحتى أمريكا تلقت هى أيضاً غزلا كثيراً من الإخوان، فالأستاذ مصطفى مؤمن يتوجه نحو أمريكا قائلاً بأعلى صوت «أيها الأمريكيون أنتم الشعب الحر وقواد الديمقراطية».

ولم يكن الأمر مقصوراً على الأستاذ مصطفى مؤمن، فالأستاذ البنا لمح تصاعد النفوذ الأمريكى فى العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولاحظ اهتمام أمريكا بالأوضاع فى المنطقة، وفى مصر على وجه الخصوص، فقرر كعادته أن يجدف بقاربه فى اتجاه هذه القوة الصاعدة، وأن يناور معها هى الأخرى.

ويورد الأستاذ محسن محمد فى كتابه «من قتل حسن البنا» عديداً من النصوص المنقولة عن وثائق الخارجية الأمريكية المودعة بمكتبة الكونجرس نطالع بعضاً منها معاً:

«التقى الأستاذ حسن البنا مع فيليب إيرلاند، السكرتير الأول للسفارة، يوم 29 أغسطس 1947 وعندما أشار إيرلاند إلى المظاهرات الحاشدة التى وقعت هذه الأيام. أراد البنا أن يوهمه بقدرته على إشعال المظاهرات وإخمادها. فقال فى بساطة «لن تكون هناك اضطرابات جديدة فإن بوسعى بدؤها وإنهاؤها، ورد عليه إيرلاند: من المشكوك فيه أن نتمكن من إنهاء الفتنة بعد إشعالها».

وقد استخدم البنا كأداة للتقارب مع أمريكا سلاحاً مهماً فهو عدو للشيوعية، التى كانت قد ظهرت على سطح الأحداث المصرية آنذاك، مدركاً أن هذا الأمر شديد الإغراء بالنسبة للأمريكيين. وطلب البنا مقابلة ثانية مع إيرلاند، وتم اللقاء فى بيت إيرلاند، وحضره محمد الحلوجى، من قيادات الجماعة، والدكتور محمود عساف، مدير إعلانات صحيفة الإخوان، وأشار حسن البنا إلى خطر الشيوعية فى الشرق الأوسط، وأن الإخوان المسلمين يحاربونها بكل الوسائل الممكنة، ويضطر أعضاء الجماعة أن يتركوا عملهم الأصلى لدخول الخلايا الشيوعية للحصول على المعلومات، وعندما يفعلون ذلك فإنهم يتركون وظائفهم، وبذلك يفقدون رواتبهم، وإذا أمكن تعيينهم على أساس أنهم محققون وباحثون فإن هذه المشكلة يسهل حلها»، ثم اقترح إنشاء مكتب مستقل مشترك بين الإخوان والحكومة الأمريكية لمحاربة الشيوعية، وقال إيرلاند فى تقريره إنه فهم من هذا العرض أن تتولى الولايات المتحدة تمويل وإدارة المكتب، وأن يكون أعضاؤه – فى الأغلب – من الإخوان، وقال إنه رفض العرض فقال البنا «لا أريد إجابة الآن، ولكنى أرغب فقط فى عرض الفكرة، وسيجرى محمود عساف معك محادثات تفصيلية».

لكن هذا الرفض الأمريكى أغضب البنا، الذى قرر الضغط على أمريكا كى تقبل، فقد كان يتوقع مالاً وفيراً من مثل هذا المكتب، فنشرت جريدة الإخوان فى اليوم التالى مباشرة مقالاً بعنوان «أمريكا والعالم العربى» شنت فيه هجوماً عنيفاً على الأمريكيين، وفيما كان إيرلاند فى زيارة لصديق مصرى للبنا، تعمد البنا أن يحضر المقابلة، وقال له إيرلاند «أشعر بالدهشة لأنك عرضت بذل جهود مشتركة بين الإخوان والسفارة، وفى اليوم التالى مباشرة نشر عمر عزمى مقالاً فى جريدة الإخوان حمل فيه بعنف على أمريكا وسياستها، ووصفها بأنها مخادعة، وهاجم نزاهة الأمريكيين عامة»، ورد البنا رداً «سابق التجهيز» قلل فيه من قيمة المقال وكاتبه، وقال إنه مجرد رد فعل متحمس لما يشعر به الإخوان إزاء أسلوب أمريكا فى فلسطين، ثم قال – وهذا هو المهم – و«على العموم آمل ألا يؤثر هذا الحادث على اقتراحاتى السابقة».

وتداهم الأحداث الجميع، فالجماعة كانت على أبواب محنتها القاسية، التى انتهت بحلها وقتل النقراشى، ثم مقتل حسن البنا، ولكن ما إن تستعيد الجماعة أنفاسها حتى تبدأ فى عام 1953 محاولة جديدة للتقارب مع أمريكا، وهى محاولة رتب لها المرشد العام الجديد، المستشار حسن الهضيبى، عن طريق شقيق زوج ابنته.

ويبدو أن الأمريكيين فى كلتا الحالتين لم يبتلعوا الطعم الإخوانى، فالتعليقات فى النصوص الكاملة للوثائق توحى أحياناً بعدم الثقة، وتوحى فى أحيان أخرى باعتقادهم أن الإخوان يبالغون فى قدراتهم أكثر من اللازم فقد كتب مندوب CIA فى تقريره «قال لى مندوب المرشد إنهم قادرون على إزاحة ناصر وعامر من السلطة، وأعتقد أنهم يحاولون تصدير وهم كبير إلينا».

(غداً..الحلقة الثالثة والأخيرة.. وسقط القناع)